فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 4091

قال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم (قريش) فننزله ونغوّر - أي نُخَرِّب - ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد أشرت بالرأي".

فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القلب ...

وهذه الحادثة تبين لنا أن الرأي قد يكون صحيحًا فيأتي رأي يكون فيه فائدة أكبر للناس. فقد كان رأي النبي صلى الله عليه وسلم وتدبيره حكيمًا، ولكن الرأي الذي رآه"الحباب"رضي الله عنه هو الذي اختاره النبي صلى الله عليه وسلم ورآه أصلح للمسلمين، ولا يشك مسلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم من الحباب وأعرف بمصالح الناس، ولكنه رأي بشري في موقف معين لم ينزل في شأنه وحي، فإختاره النبي صلى الله عليه وسلم ..

وقد يتحمس بعض الناس ويغلب حماسهم العقل ورأي أهل العلم والخبرة والدراية، كما حصل في غزوة أُحد عندما عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا استشاريًا عسكريًا أعلى، تبادل فيه الرأي لاختيار الموقف ... ثم قدم رأيه لصحابته ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بِشَرِّ مُقَام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت ... ولكن جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر ومن غيرهم، أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، وألحوا عليه في ذلك حتى قال قائلهم: يا رسول الله، كنا نتمني هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج إلى أعدائنا، لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم.

وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم:"والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة". فتنازل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه لرأي هؤلاء المتحمسين، واستقر الرأي على الخروج من المدينة، واللقاء في الميدان السافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت