لقد كتب ابن خلدون معنى هذا في مقدمته تحت عنوان"أطوار الدولة و اختلاف أحوالها" (انظر: الدُرُّ المَصون بتهذيب مقدمة ابن خلدون) ، وبين دورة حياة الدولة وصنفها في أطوار، فقال:
1 -طور الظفر و الاستيلاء و الغلبة على من سلف.
2 -طور الاستبداد و الانفراد بالمُلْك و المنافسة.
3 -طور الفراغ و الدعة لتحصيل ثمرات المُلْك.
4 -طور القُنوع و المسالمة بما بنى الأوائل وتقليدهم.
5 -طور الإسراف والتبذير وإتلاف المال في الملذّات. (انتهى)
والطور الخامس هو المؤذن بالسقوط، وربما سقطت الدولة في الطور الرابع أو حتى الثالث في بعض الأحيان .. وكل هذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ:"إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بالدِّينَار والدِّرْهَم، وَتَبَايَعُوا بالعِينَةِ، واتَّبَعُوا أذْنَابَ البَقَرِ، وَترَكُوا الجِهَادَ في سَبِيلِ الله، أنْزَلَ الله بِهِمْ بَلاَءً، فلم يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينهُم" (أبو داود \ حسن) ، فأي بلاء أشد من أن يُسلط الله اليهود والنصارى ليستبيحوا دماء وأعراض المسلمين ..
والمتأمل لهذا الحديث ليعجب من دقة اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للكلمات، فقد قال"حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينهُم"!! ولم يقل"حتى يرجعوا للجهاد"أو"حتى يجاهدوا"!! وكأنه يقول لنا: لا بقاء لهذا الدين في الأمة بدون هذا الجهاد، وهذا ما نُشاهده اليوم من تسلط اليهود والنصارى والمنافقين على أخص خصوصيات الأمة (دينها وعقيدتها) وما ذلك إلا لتركنا الجهاد في سبيل الله .. لا أقول جهاد الدفع، ولكن: جهاد الطلب، قال تعالى"إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (التوبة: 39) ، فيسلّط اللهُ على المسلمين أعدائهم لتركهم الجهاد ثم يستبدل ذلك الجيل أو تلك الفئة بجيل أو فئة أخرى يجاهدون في سبيله .. وقديمًا قيل"من لم يَغزو يُغزَ".. والله أعلم ..
مفارقة: