ما كان خالدًا يروي الحديث كأبي هريرة، ولا كان عمر داعية كمصعب، ولا كان أبيّ شاعرًا كحسان، وما كان المقداد فقيهًا كابن مسعود .. وقليل من الصحابة من جمع بين أكثر هذه الخصال (وعلى رأس هؤلاء: أبو بكر رضي الله عنه) .
ولو انتقلنا إلى تاريخ الأمة الإسلامية لوجدنا أن هذه الأقسام الثلاثة قلما اجتمعت في شخص واحد!! والذي يقلّب في تاريخ ما بعد القرون المفضلة يجد أن أفضل مثال لشخص اجتمعت فيه جُل هذه الخصال هو"شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني الدمشقي"، والذي يقرأ سيرة هذا الرجل ويقرأ كلامه ليعجب كل العجب من هذا الرجل الذي ما ترك علمًا من العلوم في عصره إلا وفاق أصحاب ذلك العلم فيه!!
يقول عنه فارس علم الرجال: الإمام الذهبي رحمه الله:
"شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر علمًا ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرًا إلهيًا، وكرمًا ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر."
-سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرج، ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصله غيره.
-برع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها.
-وبرع في الحديث وحفظه، فقلّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث، معزوًا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل.
-وفاق الناس من معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوي الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده.
-وأتقن العربية أصولًا وفروعًا، وتعليلًا واختلافًا.
-ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وردّ عليهم، ونبّه على خطئهم، وحذّر منهم ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين.
-وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكبت أعداءه،
-وهدى به رجالًا من أهل الملل والنحل،
-وجبل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد له غالبًا، وعلى طاعته،