فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 364

باب: لا

باب"لا":

وتأتي في الكلام لمعانٍ:

تكون"للنَّهي"على مقابلة الأمر؛ لأنّه يقال: اضْرِبْ زَيْدًا فتقول لا تَضْرِبْهُ، ويقال اضْرِب زيدًا وعمرًا فتقول: لا تَضْرِب زيدًا ولا عمرًا بتكريرها؛ لأنه جواب عن اثنين، فكان مطابقا لما بني عليه من حكم الكلام السابق؛ فإن قوله: اضْرِبْ زيدًا وعمرًا جملتان في الأصل قال ابن السراج: لو قلت: لا تضرب زيدا وعمرا لم يكن هذا نهيا عن الاثنين على الحقيقة؛ لأنه لو ضرب أحدهما لم يكن مخالفا؛ لأن النّهي لم يشملهما فإذا أردت الانتهاء عنهما جميعا فنهي ذلك لا تَضْرِبْ زيدا ولا عمرا فمجيئها هنا لانتظام النّهي بأسره وخروجها إخلال به هذا لفظه

ووجه ذلك أن الأصل لا تَضْرِبْ زيدا ولا تضرب عمرا لكنهم حذفوا الفعل اتساعا لدلالة المعنى عليه؛ لأن"لا"النّاهية لا تدخل إلاّ على فعل فالجملة الثانية مستقلة بنفسها مقصودة بالنّهي كالجملة الأولى وقد يظهر الفعل ويحذف"لا"لفهم المعنى أيضا فيقال: لا تضرب زيدا وتَشْتُم عمرا، ومثله:"لا تأكل السمك وتشرب اللَّبَنَ"أي لا تفعل واحدا منهما وهذا بخلاف لا تضرب زيدا وعمرا حيث كان الظاهر أن النّهي لا يشملهما لجواز إرادة الجمع بينهما وبالجملة فالفرق غامض وهو أن العامل في"لا تأكل السمك وتشرب اللَّبَنَ"متعين وهو"لا"وقد يجوز حذف العامل لقرينة والعامل في لا تضرب زيدا وعمرا غير متعين إذ يجوز أن تكون الواو بمعنى مع فوجب إثباتها رفعا للَّبس وقال بعض المتأخرين يجوز في الشعر لا تضرب زيدا وعمرا على إرادة ولا عمرا.

وتكون"للنَّفْي"فإذا دخلت على اسم نفت متعلقه لا ذاته؛ لأن الذوات لا تنفى فقولك لا رجل في الدار أي لا وجود رجل في الدار وإذا دخلت على المستقبل عمّت جميع الأزمنة إلَّا إذا خصّ بقيد ونحوه نحو والله لا أقوم.

وإذا دخلت على الماضي نحو والله لا قمت قلبت معناه إلى الاستقبال، وصار المعنى والله لا أقوم وإذا أريد الماضي قيل: والله ما قمت، وهذا كما تقلب"لم"معنى المستقبل إلى الماضي نحو لم أقم والمعنى ما قمت.

وجاءت بمعنى"غَيْر"نحو جئت بلا ثوب، وغضبت من لا شيء أي بغير ثوب وبغير شيء يغضب، ومنه: {وَلَا الضَّالِّينَ} ، وإذا كانت بمعنى غير، وفيها معنى الوصفيّة فلا بدَّ من تكريرها نحو مررتُ برجل لا طويل ولا قصير.

وجاءت لنفي الجنس وجاز لقرينة حذف الاسم نحو"لا عَليْكَ"أي لا بَأْسَ عَلَيْكَ وقد يحذف الخبر إذا كان معلوما نحو لا بَأْسَ.

ثمَّ النّفي قد يكون لوجود الاسم نحو"لا إلَهَ إلا اللهُ"والمعنى لا إله موجود أو معلوم إلاّ الله والفقهاء يقدرون نفي الصحة في هذا القسم وعليه يحمل:"لا نكاح إلَّا بِوَلِيِّ"وقد يكون لنفي الفائدة والانتفاع والشَّبه ونحوه نحو لا ولد لي ولا مال أي لا ولد يشبهني في خلق أو كرم ولا مال أنتفع به والفقهاء يقدرون نفي الكمال في هذا القسم ومنه لا وضوء لمن لم يسم الله.

وما يحتمل المعنيين فالوجه تقدير نفي الصحة؛ لأن نفيها أقرب إلى الحقيقة وهي في الوجود ولأن في العمل به وفاء بالعمل بالمعنى الآخر دون عكس وقد تقدم بعض ذلك في"نَفَى"وجاءت بمعنى"لَمْ"كقوله تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} أي فلم يتصدق.

وجاءت بمعنى"لَيْسَ"نحو: {لا فِيهَا غَوْلُ} أي ليس فيها ومنه قولهم"لاها الله ذا"أي ليس والله ذا والمعنى لا يكون هذا الأمر

وجاءت جوابا للاستفهام يقال هَلْ قام زيد فيقال"لا"، وتكون عاطفة بعد الأمر والدعاء والإيجاب نحو أكرم زيدا لا عمرا، واللّهُمَّ اغفر لزيد لا عمرو وقام زيد لا عمرو ولا يجوز ظهور فعل ماض لئلَّا يلتبس بالدّعاء فلا يقال قام زيد لا قام عمرو.

وقال ابن الدهان ولا تقع بعد كلام منفيٍّ؛ لأنّها تنفي عن الثاني ما وجب للأول فإذا كان الأول منفيا فماذا تنفي؟ وقال ابن السراج وتبعه ابن جِنّي: معنى"لا"العاطفة التَّحْقِيقُ للأول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت