فهرس الكتاب
فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ: يَعْلَمُونَ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُ الْعَبْدِ مِنْ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ وَالْهَمَّ فِي النَّفْسِ قَبْلَ الْعَمَلِ . فَقَوْلُهُ: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } هُوَ قُرْبُ ذَوَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَقُرْبُ عِلْمِ اللَّهِ ؛ فَذَاتُهُمْ أَقْرَبُ إلَى قَلْبِ الْعَبْدِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إلَى بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الْآيَةِ: { إذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ } فَقَوْلُهُ ( إذْ ) ظَرْفٌ . فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ حِينَ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ مَا يَقُولُ . فَهَذَا كُلُّهُ خَبَرٌ عَنْ الْمَلَائِكَةِ . وَقَوْلُهُ: { فَإِنِّي قَرِيبٌ } "وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ"هَذَا إنَّمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ الْعِبَادِ فِي كُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: { أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ } وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ: { مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً } فَقُرْبُ الشَّيْءِ مِنْ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِقُرْبِ الْآخَرِ مِنْهُ ؛ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ قُرْبُ الثَّانِي هُوَ اللَّازِمُ مِنْ قُرْبِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ مِنْهُ أَيْضًا قُرْبٌ بِنَفْسِهِ . ( فَالْأَوَّلُ: كَمَنْ تَقَرَّبَ إلَى مَكَّةَ أَوْ حَائِطِ الْكَعْبَةِ فَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْهُ قَرُبَ الْآخَرُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فِعْلٌ .