فَهُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْحَيَّ حَيًّا بَلْ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُسْلِمَ مُسْلِمًا وَالْمُصَلِّيَ مُصَلِّيًا كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } وَقَالَ: { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } . وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعَبِيدِ وَهِيَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ مُثَابٌ مُعَاقَبٌ مَوْعُودٌ مُتَوَعَّدٌ وَهُوَ سُبْحَانَهُ - الَّذِي جَعَلَ الْأَبْيَضَ أَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ أَسْوَدَ وَالطَّوِيلَ طَوِيلًا وَالْقَصِيرَ قَصِيرًا وَالْمُتَحَرِّكَ مُتَحَرِّكًا وَالسَّاكِنَ سَاكِنًا وَالرَّطْبَ رَطْبًا وَالْيَابِسَ يَابِسًا وَالذَّكَرَ ذَكَرًا وَالْأُنْثَى أُنْثَى وَالْحُلْوَ حُلْوًا وَالْمُرَّ مُرًّا . وَمَعَ هَذَا فَالْأَعْيَانُ تَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الذَّوَاتِ وَصِفَاتِهَا فَأَيُّ عَجَبٍ مِنْ اتِّصَافِ الذَّاتِ الْمَخْلُوقَةِ بِصِفَاتِهَا ؟ وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ اللَّهُ خَالِقَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْحَقِّ ؟ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: الرَّبُّ حَقٌّ وَالْعَبْدُ حَقٌّ: فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ هُوَ عَيْنُ هَذَا: فَهَذَا هُوَ الِاتِّحَادُ وَالْإِلْحَادُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنَافِي التَّكْلِيفَ ؛ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْعَبْدَ حَقٌّ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ الْخَالِقُ: فَهَذَا مَذْهَبُ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ مُمْكِنًا لِلْمَخْلُوقِ كَمَا أَنَّهُ خَالِقٌ لَهُ . وَقَوْلُهُ: إنْ قُلْت عَبْدٌ فَذَاكَ مَيْتٌ . كَذِبٌ ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِمَيِّتِ بَلْ هُوَ حَيٌّ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } ؟ وَاَللَّهُ لَا يُكَلِّفُ الْمَيِّتَ وَإِنَّمَا يُكَلِّفُ الْحَيَّ ؛ وَإِذَا قِيلَ إنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مَيِّتٌ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ لَا حَيَاةَ لَهُ . قِيلَ: تَفْسِيرٌ مُرَادُهُ بِهَذَا فَاسِدٌ لَفْظًا وَمَعْنًى أَمَّا اللَّفْظُ فَلِأَنَّ كَلَامَهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّهُ إذَا فَسَّرَ ذَلِكَ لَمْ يُنَافِ التَّكْلِيفَ .