فَإِذَا كَانَ مَيِّتًا - لَوْلَا إحْيَاءُ اللَّهِ - وَقَدْ أَحْيَاهُ اللَّهُ فَقَدْ صَارَ حَيًّا بِإِحْيَاءِ اللَّهِ لَهُ ؛ وَحِينَئِذٍ فَاَللَّهُ إنَّمَا كَلَّفَ حَيًّا لَمْ يُكَلِّفْ مَيِّتًا وَأَمَّا أَقْوَالُ إخْوَانِ الْمَلَاحِدَةِ وَالْمُحَامِينَ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَ شِعْرِي مَنْ الْمُكَلَّفُ ؟ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ حَقٌّ فَحَارَ لِمَنْ يَنْسُبُهُ فِي الْقِيَامِ بِهِ . فَقَالَ: إنْ قُلْت عَبْدٌ فَذَاكَ مَيْتٌ . وَالْمَيِّتُ: لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ حَرَكَةٌ ؛ بَلْ مِنْ غَيْرِهِ يُقَلِّبُهُ كَمَا يَشَاءُ . وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ - وَإِنْ كَانَ حَيًّا - فَإِنَّهُ مَعَ رَبِّهِ كَالْمَيِّتِ مَعَ الْغَاسِلِ لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فِعْلٌ بِغَيْرِ اللَّهِ . فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا الْعُذْرُ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لِأَنَّهُ لَا حَيْرَةَ هُنَا ؛ بَلْ الْمُكَلَّفُ هُوَ الْعَبْدُ بِلَا امْتِرَاءٍ وَلَا حَيْرَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُكَلَّفَ بِالصِّيَامِ وَالطَّوَافِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ ؛ بَلْ هُوَ الْآمِرُ بِذَلِكَ وَالْعَبْدُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ وَمَنْ حَارَ هَلْ الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ اللَّهُ أَوْ الْعَبْدُ ؟ فَهُوَ إمَّا يَكُونُ فَاسِدَ الْعَقْلِ مَجْنُونًا ؛ وَإِمَّا فَاسِدَ الدِّينِ مُلْحِدًا زِنْدِيقًا . وَكَوْنُ اللَّهِ خَالِقًا لِلْعَبْدِ وَلِفِعْلِهِ: لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ هُوَ الْمَأْمُورَ الْمَنْهِيَّ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ إنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيَطُوفُ وَيَرْمِي الْجِمَارَ وَيَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ ؛ بَلْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الرَّاكِعُ ؛ السَّاجِدُ الصَّائِمُ الْعَابِدُ لَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ . الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ الْعَبْدَ - وَإِنْ كَانَ حَيًّا - فَإِنَّهُ مَعَ رَبِّهِ كَالْمَيِّتِ مَعَ الْغَاسِلِ: لَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ فَإِنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ لَهُ إحْسَاسٌ وَلَا إرَادَةٌ ؛ لِمَا يَقُومُ