ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله - عند توطين النفس لها وتمرينها عليها ومعرفة ما تئول إليه - تنقلب عند أرباب البصائر: منحا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (السعدي) .
{أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} ، {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} : إنه لا يحصل دخول الجنة حتى يبتلى المؤمنون ويرى الله منهم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء المقارعين الطغيان بقوة الإيمان .. قال ابن القيم رحمه الله"أي: ولما يقم ذلك منكم، فيعلمه، فإنه لو وقع، لعلمه، فجازاكم عليه بالجنة فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد العلم، فإن الله لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه" (زاد المعاد) ..
فحكمة الله وسنته في رسله، وأتباعهم، جرت بأن يدالوا مرة، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا، دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتصر عليهم دائمًا، لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق، وما جاؤوا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة. قال الله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء}
فالله سبحانه وتعالى يمتحن عباده المؤمنين بالغلبة، والكسرة، والعزيمة، ذلوا وانكسروا، وخضعوا، فاستوجبوا منه العز والنصر، فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار، قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} . وقال تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} ، فهو سبحانه إذا أراد أن يعز عبده، ويجبره، وينصره، كسره أولًا، ويكون جبره له، ونصره على مقدار ذله وانكساره.
والله سبحانه وتعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.
إن الإيمان ليس كلمات مجردة، ولا عبارات مزركشة يسلم صاحبها بمجر إطلاقها، والجهاد ليس بالقول والتمني والتشدق والغرور والتبختر في غير ساحات الوغى، لا بد من اللقاء والمواجهة والبذل والتضحية، ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} (آل عمران: 143)