أي قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم، تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"ولهذا قال تعالى: {فقد رأيتموه} يعني الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرجال للقتال ..
وقد صدق والله إخواننا في"أحد الرس"ربَّهم، فقاتلوا ولم يكونوا يتمنون لقاء هذا العدو بالذات ولا يأبهون به، ولكنهم يوم اللقاء ثبتوا ثباتًا يعجر العقل عن وصفه!!
وهذا الثباب له قيمة عظيمة جليلة عند الله سبحانه وتعالى، فالجنة سلعة الله الغالية، وحياة الإنسان وأعماله أرخص من أن تستحق الجنان، ولكن رحمة الله واسعة، ووعده نافذ، وكلامه الحق، فقد اشترى الجسد والروح التي يمتلكها، وأقبض الثمن، فكان هذا خير بيع يبيعه الإنسان في حياته، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم إذا طُعن أحدهم في المعركة صرخ:"ربح البيع"،"فزت ورب الكعبة".. وأي فوز!!
لقد علّمنا الله سبحانه وتعالى في غزوة أحد: منهج الحق، والطريق القويم، في قوله تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} (آل عمران 144 - 145) ، قال ابن القيم"والشاكرون: هم الذي عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا" (الزاد) ..
فجماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في سبيله، وما استكانوا، ولا ضعفوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة، والعزيمة، والإقدام، فلم يستشهدوا مدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزة كرامًا مقبلين ..