فالدعوة ليست للرجال، وإنما تقوم بهم، فإذا قضوا نحبهم يخلفهم رجال وتبقى الدعوة قائمة .. ولقد ضرب الله للأمة أعظم مثل وأشده على النفس في خليله وخيرة خلقه ليقول لمن بعده: بأن الرسول إذا مات فلا يجوز الإنقلاب والتردد والتغيّر والإنزواء، فما بالكم بمن هو دونه أو من لا يُقارن به!!
إن هذا الدين باقٍ بقاء أبديًا وليس مربوطًا بمخلوق لأنه من عند الخالق، ولذلك قال الصديق عند وفاة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم"من كان يعبد محمدًا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، هذا هو المنهج الحق، وهذا هو الدين الذي ما فتئ الرجال يبذلون في سبيله المهج إرضاء للخالق الواحد الملك الحق جل في علاه، الذي لا معبود سواه ..
لقد مر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار في غزوة أحد، وهو يتَشَحَّطُ في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بَلَّغ، فقاتلوا عن دينكم.
فالقعود ليس من شيمة المؤمنين، والضعف والإستكانة واليأس ليس من صفات الموحدين، ولكن الصبر والثبات وحسن التوكل سمات لازمة للأنبياء والصالحين {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 146 - 148) ، فبعد القتال والصبر والثبات والتوكل على الله وصدق رجاءه ودعاءه يحصل الثواب ويستحق أتباع الأنبياء النصر والتمكين ..
أما من غدى إلى ربه وفاز بمقعده عند خالقه فعزائنا فيه قول ربنا جل في علاه {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (آل عمران: 169 - 170)
ومن استسلم وأذل نفسه لطغاة الأرض وأطاعهم في معصية خالقه فهو في الأرذلين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (آل عمران: 149)