فهرس الكتاب

الصفحة 1385 من 4091

[والقتالُ ليسَ مطلوبًا على كلِّ حال ٍ، حتّى لو كانَ للعدوِّ بأسٌ وسطوة ٌ على المسلمينَ، فتارة ً يكونُ التريّثُ خيرًا، وتارة ً يُقصرُ القتالُ على موضعهِ المخصوص ِ، وتارة ً يكونُ أمرهُ موكولًا إلى أهل ِ المعرفةِ والنظر ِ دونَ عامّةِ النّاس ِ، وثبتَ في الحديثِ الصحيح ِ أنَّ النبيَّ - صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - قالَ لأصحابهِ في قصّةِ الحديبيّةِ:"أترونَ أن نميلَ إلى ذراري هؤلاءِ الذين أعانوهم فنُصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورينَ محرومينَ، وإن يجيئوا تكنْ عُنقًا قطعها اللهُ، أم ترونَ أنَّ نؤمَ البيتَ، فمن صدَّنا عنهُ قاتلناهُ؟"، فقالَ أبو بكر ٍ - رضيَ اللهُ عنهُ: اللهُ ورسولهُ أعلمُ، إنّما جئنا مُعتمرينَ، ولم نجئ لقتال ِ أحدٍ، ولكنْ من حالَ بيننا وبينَ البيتِ قاتلناهُ، فمالَ النبيُّ - صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - إلى رأي أبي بكر ٍ - رضيَ اللهُ عنهُ -.

هذا مع أنَّ بعضَ حلفاءِ كفار ِ قريش ٍ كانوا قد جهّزوا الجموعَ لقتال ِ النبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ، فلو كانَ القتالُ وفناءُ النفس ِ مطلوبًا لذاتهِ لبادرهم إلى ذلك ودعا إليهِ أصحابهُ، إلا أنّهُ أخذ َ بالرأي السديدِ وتركَ القتالَ وتوجّهُ نحوَ البيتِ، ممّا يوكّدُ على أنَّ أمرَ القتال ِ لهُ شروطهُ وسياستهُ الضابطة ُ لهُ.

قالَ الإمامُ العزُّ ابنُ عبدِ السلام ِ مؤكّدًا ما ذكرتهُ آنفًا من أنَّ القتالَ لا يُقصدُ لذاتهِ:"التولّي يومَ الزحفِ مفسدة ٌ كبيرة ٌ، لكنّهُ واجبٌ إذا علمَ أنّهُ يُقتلُ من غير ِ نكايةٍ في الكفّار ِ، لأنَّ التغريرَ بالنفوس ِ إنّما جازَ لما فيهِ من مصلحةِ إعزاز ِ الدين ِ بالنكايةِ في المشركينَ، فإذا لم تحصل النّكاية ُ وجبَ الانهزامُ لما في الثّبوتِ من فواتِ النّفوس ِ مع شفاءِ صدور ِ الكفّار ِ، وإرغام ِ أهل ِ الإسلام ِ، وقد صارَ الثبوتُ ههنا مفسدة ً محضة ً، ليسَ في طيّها مصلحة ٌ"انتهى كلامهُ من قواعدِ الأحكام ِ 111 - 112]

أقول: أما الكلام الذي قبل كلام العزّ - رحمه الله - فهو استدلال لا ينطبق على الواقع، وهو من الجهل أو من التحريف، فهذا الكلام لا يُقال في جهاد الدفع المتعيّن، وإنما يكون في جهاد الطلب، فالمسلم مخيّر في القتال ما لم يدهم العدو بلاد الإسلام أو يستنفره الإمام أو تكون للمسلمين به حاجة أو يكون عند الكفار أسيرات مسلمات، عندها يتعين الجهاد ولا يكون المسلم مخيرا حتى تحصل الكفاية: فيُرد العدو وتستخلص المسلمات من أيديهم، وهذا لا اخلاف فيه بين العلماء .. وهذه النقطة في غاية الأهمية، فكثير من هؤلاء"الناصحين"يلبسون على الأمة فيخلطون أحكام ونصوص جهاد الدفع بجهاد الطلب، وقد بينت في أكثر من مقالة الفرق بين الجهادين وحكمهما، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -"وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر، وبين طلبه في بلاده" (الاختيارات(532)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت