قال ابن تيمية رحمه الله"إنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى، أفتى في عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون: لم يجز منعه من الفتيا مطلقًا، بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه، فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك" (الفتاوى: ج23)
لقد كان علماء السلف يُنصفون الناس وينزلونهم منازلهم، وكانوا مع العلماء أشد إنصافًا، فتجدهم مثلًا يقولون في عالم: إمام حجة ثبتْ فيه تشيّع، أو يقولون: إمام جليل فقيه فيه اعتزال، أو: عالم بحر له تأويلات باطلة في الصفات، وتجد المحدثين يأخذون الحديث من المتشيعة والمتصوفة والأشاعرة والخوارج غيرهم، وهذا كثير في كتب أهل العلم ..
إن البيئة التي نشأ فيها العالم، والشيوخ الذين أخذ عنهم لهم تأثير قوي في اتجاهاته العلمية .. واليوم عندنا المدارس في الإقطار المختلفة تختلف مناهجها ومشاربها، ففي مصر يغلب على الناس المذهب الأشعري مع مسحة تصوف، والشام يغلب عليها التصوف وبعض الاعتزال، وفي نجد مذهب أهل الحديث الحنابلة، وفي الهند خليط، وفي المغرب التصوف، ففي كل بقعة مدارس ومشارب ومذاهب، هذا مع ما ساد في الأمة لعصور من مذهب الإرجاء الخبيث، وليس أحد من البشر اليوم يعرف الحق كله، ولا العلم كله، فالحق منتشر بين الناس ..
إن مقتضى العدل أن نأخذ ما صح مما دلت عليه الأدلة الشرعية، وليس كل خلاف دليله نص قطعي، وكثير من المسائل اجتهادية، وكثير من هذه مبنية على معرفة الأحوال والقرائن وترجيح المصالح وتقليل المفاسد، وكل هذا يتفاوت الناس فيه لدرجة كبيرة: لتفاوت عقولهم ودرجة علمهم وفهمهم وتجربتهم واطلاعهم ..
العلماء بشر: يُخطؤون ويصيبون: فصوابهم رباني شرعي، وخطأهم - إن أخلصوا النية - مغفور مأجور، فخذ منهم ما شرع الله، ودع ما أخطؤوا فيه، واعلم بأن العلم الإلهي عليه نور وجلال لا يخفى على صاحب قلب حي ..