فلما علا شأن الفتنة وتتطاول أهل البدع في عهد المأمون، قيّض الله سبحانه وتعالى هذا الإمام الجليل ليكون سدًا مانعا أمام هوى السلطان وبدعته، فقد كان المأمون يمتحن الناس على القول بخلق القرآن، وكان الناس يدارونه، وكثير من الناس أرادوا التقرب إليه فأظهروا اتباعه وبُغض من خالفه، فكان الإمام أحمد على رأس هؤلاء المخالفين، وكان بغضه في كثير من الأحيان: علامة نفاق وتزلف للسلطان ..
كم رأينا من هؤلاء في هذا الزمان، يناطحون الجبال الصلبة بقرون هشّة، ورحم الله ابن المبارك، فقد نال أحدهم من أبي حنيفة رحمه الله في مجلس ابن المبارك، فقال له ابن المبارك، بارك الله فيه:
يا ناطح الجبل العالي برأسه .... أشفق على الرأس، لا تُشفق على الجبل!!
إن من أعجب العجب أن ترى بعض الخوالف يلمزون المجاهدين، وبعض العوام يجترؤون على العلماء، وبعض الأغبياء يسفّهون العقلاء، وبعض الأقزام يُصنّفون العمالقة!!
كيف يُبيح إنسان لنفسه أن ينال من رجل أرخص حياته وبذلها من أجل أن لا يوقّع على ورقة زور، فقال لسجّانيه"إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا واحدًا يقر به حكم طاغية".. عُلّق على المشنقة ولم يوقّع على ورقة اعتذار فيها فكاك رقبته!! هل يستطيع منتقص هذا العملاق أن يأتينا من تأليفه ببضع ورقات تُحاكي روعة الظِّلال، بل ورقة واحدة ..
أعجب من صغار الهمم كيف يلمزون أهل الجهاد في فلسطين والعراق وأفغانستان!! إن هذا اللمز أتى من الإحساس بالنقص الذي ظن هؤلاء أنه يغيب بانتقاص الغير!! من أراد أن يرى معجزة القرآن فلينظر إلى هؤلاء فإن الله قال {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} (التوبة: 87) ، نعم: لا يفقهون ولا يعلمون الحقيقة والحال، فأصبح هذا الجهل ملازما لهم وطُبع على قلوبهم ..
قال ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير:"وفي {الخوالف} قولان:"
أحدهما: أنهم النساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وشمر بن عطية، وابن زيد، والفراء. وقال أبو عبيدة: يجوز أن تكون الخوالف هاهنا: النساء .... قال ابن الانباري: الخوالف لا يقع إلا على النساء ... فيجوز أن