فهرس الكتاب

الصفحة 1468 من 4091

إنها قاعدة علم القلوب ولُب فن الحروب .. أقدموا واقتحموا ولا تجبنوا. فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم، وشعروا بالهزيمة في أرواحهم، وكُتبت لكم الغلبة عليهم .. لكن العقلية الغالبة على هؤلاء: كيف نتجرأ على قتال الجبارين في عقر دارهم!!

إن النفوس المترهلة التي تعودت الكسل والخمول، وأُشربت العبودية والإنكسار، تأبى التقدم، وتهاب التغيير، وتخاف تقلب الحال ولو لأحسن، فـ {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 24) ..

هكذا يحرج الجبناء فيتوقحون، ويفزعون من الخطر أمامهم فيرفسون بأرجلهم كالحمر ولا يقدمون!! والجبن والتوقح ليسا متناقضين ولا متباعدين، بل إنهما لصنوان في كثير من الأحيان. يُدفع الجبان إلى الواجب فيجبن. فيُحرَج بأنه ناكل عن الواجب، فيسب هذا الواجب، ويتوقح على دعوته التي تكلفه ما لا يريد ..

يرى الجبناء أن الجبن عقل .... وتلك خديعة الطبع اللئيم

{اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} .. لم يقولوا لموسى عليه السلام"سيدنا"أو"نبي الله"، بل قالوا {أنت} ، ولم يقولوا"ربنا"أو"الله"، ولكن قالوا {ربّك} وكأنه ليس بربهم!! هكذا بكل وقاحة بعد أن نجاهم من فرعون وجنوده بمعجزة خارقة أذل فيها الكفار .. إنها وقاحة العاجز الذي لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان، أما النهوض بالواجب فيكلفه وخز السنان ..

هل فهمتَ الدين!! هل عرفتَ الأحكام!! هل اعددت للقتال عدّته!! أأنت واثق من نصر الله!! أتظن أنّك تنتصر على الأمريكان والأوروبيين، هؤلاء الجبابرة، هؤلاء الذين يملكون الأساطيل البرية والبحرية والجوية والقنابل الذرية!! إذًا {إذهب أنت ومن معك فقاتلهم إنا هاهنا قاعدون} ..

يقول ابن خلدون رحمه الله، في مقدمته (الفصل التاسع عشر) : من عوائق الملك حصول المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم، وسبب ذلك أن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها، فما رئموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة، ومن عجز عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزًا عن المقاومة والمطالبة" (انتهى كلامه رحمه الله) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت