فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفي النهاية يختم ربنا سبحانه وتعالى السورة بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتوجيه له إلى التوكل عليه وحده والاكتفاء بكفالته سبحانه {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} (التوبة: 128 - 129) [استفدت هذا التقسيم من كتاب الظلال لسيد قطب رحمه الله: مع بعض الإضافات والتصرف] ..
لقد استدعت الخلخلة وقلة التناسق في الأفكار والمستويات الإيمانية، وظواهر وأعراض الشح بالنفس والمال، والنفاق والضعف، والتردد في الواجبات والتكاليف، والخلط وعدم الوضوح في تصور العلاقات بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات الأخرى، وعدم المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة - وإن كان هذا كله لا يتعارض مع وجود القاعدة الصلبة الأمينة الخالصة من المهاجرين والأنصار - استدعى كل هذا حملات طويلة مفصلة ومنوعة للكشف والتوعية والبيان والتقرير، تفي بحاجة المجتمع إليها، فكانت سورة التوبة: البيان الشافي والوحي الوافي الذي قطع التردد وشحذ الهمم وفصل بين الإسلام والكفر بأبلغ عبارة وأقوى صورة، فجائت السورة كأنها"دستور العلاقات السياسية الداخلية والخارجية"المفصّل للمجتمع الإسلامي ..
لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة: فلم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش - تحس بالخطر الحقيقي الذي يتهددها من دعوة"أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"وما تمثله من ثورة على كل سلطان أرضي لا يستمد من سلطان الله، ومن تمرد نهائي على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى الله. ثم بالخطر الجدي من التجمع الحركي العضوي الجديد الذي أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. هذا التجمع الذي يدين منذ اليوم الأول بالطاعة لله ورسوله الله: ويتمرد ويخرج على القيادة الجاهلية الممثلة في قريش والأوضاع السائدة في هذه الجاهلية.
لم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش أول الأمر - تحس بهذا الخطر وذاك حتى شنتها حربا شعواء على الدعوة الجديدة، وعلى التجمع الجديد، وعلى القيادة الجديدة، فأرصدت لها كل ما في جعبتها من أذى ومن كيد ومن فتنة ومن حيلة ..