فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لقد انتفض التجمع الجاهلي بأكمله ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوي خطر الموت عن نفسه .. وهذا هو الشأن الطبيعي الذي لا مفر منه كلما قامت دعوة إلى ربوبية الله وألوهيته للعالمين، في مجتمع جاهلي يقوم على أساس من عبودية العباد للعباد، وكلما تمثلت الدعوة الجديدة في تجمع حركي جديد، يتبع في تحركه قيادة جديدة: يواجهه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض!! وعندئذ يتعرض كل فرد في التجمع الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها، إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان .. ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والانضمام إلى التجمع الإسلامي الوليد، والدينونة لقيادته الجديدة: إلا كل من نذر نفسه لله، وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب والموت (في أبشع الصور في بعض الأحيان) ..
بذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر عودًا في المجتمع العربي: فأما العناصر التي لم تحتمل هذه الضغوط فقد فتنت عن دينها وارتدت إلى الجاهلية مرة أخرى، وكان هذا النوع قليلا، فقد كان الأمر كله معروفا مكشوفا من قبل: فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، وقطع الطريق الشائك الخطر المرهوب إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التكوين.
وهكذا اختار الله السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة، ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة، ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة مع السابقين من الأنصار الذين، وإن كانوا لم يصطلوها في أول الأمر كما اصطلاها المهاجرون، إلا أن بيعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم (بيعة العقبة) قد دلّت على أن عنصرهم ذو طبيعة أصيلة مكافئة لطبيعة هذا الدين ..
قال ابن كثير في تفسيره"قال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم [ليلة العقبة] : اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال:"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي