فهرس الكتاب

الصفحة 1699 من 4091

أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال:"الجنة". قالوا: ربح البيع، ولا نقيل ولا نستقيل".

لقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول الله هذه البيعة، ولا يرتقبون من ورائها شيئا إلا الجنة، ويوثقون هذا البيع فيعلنون أنهم لا يقبلون أن يرجعوا فيه: يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين، بل كانوا مستيقنين أن قريشا (القوة العظمى في الجزيرة) ستناصبهم العداء، وأن العرب كلهم سيرمونهم عن قوس واحد، وأنهم لن يعيشوا بعدها في سلام مع الجاهلية الضاربة الأطناب من حولهم في الجزيرة وبين ظهرانيهم في المدينة.

روى الإمام أحمد: عن جابر"أن أسعد بن زرارة أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسم، فقال: رويدا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وتعضكم السيوف. فإنا أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله .."

قالوا: أبط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة، ولا نسلبها أبدا!

قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة""

لقد كان الأنصار يعلمون - علم يقين - تكاليف هذه البيعة، وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئا من هذه الحياة الدنيا - ولا حتى النصر والغلبة - وأنهم لم يوعدوا عليها إلا الجنة .. ثم كان هذا مدى رغبتهم فيها وحرصهم عليها .. فلا جرم أن يكونوا - مع السابقين من المهاجرين الذين بنوا هذا البناء وأعدوا هذا الإعداد - فهم القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم بالمدينة، وهم قاعدة الأمة التي بُني عليها هذا البُنيان المتين ..

لكن مجتمع المدينة لم يظل بهذا الخلوص والنقاء .. لقد ظهر الإسلام وفشا في المدينة، واضطر أفراد كثيرون - ومعظمهم من ذوي المكانة في قومهم - أن يجاروا قومهم احتفاظا لمكانتهم فيهم .. حتى إذا كانت وقعة بدر قال كبيرهم"عبد الله بن أبي بن سلول": هذا أمر قد توجه! وأظهر في الإسلام نفاقا. ولا بد أن كثيرين قد جرفتهم الموجة فدخلوا في الإسلام تقليدا - ولو لم يكونوا منافقين - ولكنهم لم يكونوا بعد قد فقهوا في الإسلام ولا انطبعوا بطابعه .. مما أنشأ تخلخلا في بناء المجتمع المدني ناشئا عن اختلاف مستوياته الإيمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت