أكاذيبهم في وقت تُهتك فيه الأعراض وتُسفك فيه دماء المسلمين، وانخرط الناس في هذا الجدل العقيم حتى انقلبت المفاهيم وأصبح الجهاد ضلالًا، والتخلف والتثاقل عن الواجب المتعين: حكمة!!
ليست كل المسائل تحتمل الجدال، هناك مواقف تحتاج إلى عمل ووقفات حازمة بدون تردد ولا تلكؤ، نحن في حال حرب ونحتاج إلى أفعال لا أقوال، أنا أنقل لكم حادثة لعلها تبين لكم كيفية تعامل الصحابة مع الوقائع، عن عُرْوَةَ بن الزبير. قال: اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فقضى لأحدهما، فقال الذي قُضي عليه: رُدَّونا إلى عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نَعَمْ، انْطَلِقُوا إِلى عُمَر"فانطلقا، فلما أتيا عمر قال الذي قُضِيَ له: يا ابن الخطاب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَضَى لي، وإن هذا قال: رُدَّنا إلى عمر، فردنا إليك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أكذلك؟ للذي قُضَي عليه، قال: نعم، فقال عمر: مكانَكَ حتى أخرج فأقضِيَ بينكما، فخرج مشتملًا على سيفه، فضرب الذي قال:"رُدَّنا إلى عمر"فقتله، وأدبر الآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قَتَل عمر صاحبي، ولولا ما أعجزته لقتلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما كُنْتُ أظنُّ أن عُمَرَ يَجْتِري عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ"فأنزل الله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوْكَ فِيْما شَجَرَ بَيْنَهُمْ} فبرَّأ اللهُ عُمَر من قتله. فالمسألة هنا مسألة رد حكم رسول الله من رجل عُرف عنه الإيمان، والله أيد فعل عمر الذي ما تلكأ ولا راجع حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما عرف الحق وشهر السيف، وما خذلان الأمة اليوم إلا لكسرها أجفان السيوف والإكتفاء بالصراخ والعويل والقيل والقال وكثرة السؤال والمراء والجدال ..
وهذا خالد بن الوليد لما قال مالك بن نويرة"صاحبكم"يقصد النبي صلى الله عليه وسلم، قال له خالد"أوليس بصاحبك!! فضرب عنقه لهذه الكلمة، فالأمر كان عند الصحابة واضح، ولم يقل عمر أو خالد: أجلس مع هذا وأفهمه وأعلمه لعله يتوب ولعله ولعله ولو كان كذا وكذا!! كانوا أصحاب أفعال لا أقوال، إذا رأوا الجد شمروا له عن السواعد وسلوا السيوف العطاش لا يغمدونها حتى ترتوي .."
إن الأمر ليس بواقع، والرجل لم يُسلم، والحكم واضح، فلماذا"نلولو"ونفرض فرضيات ونحن أمام واقع قائم له حكم مجمع عليه!! وبما أن المسألة فيها"لو"، فأقول للسائل: ماذا كان يفعل عمر بن الخطاب لو كان في زماننا هذا وأتاه هذا الرجل يريد التوبة!! إن قلت بأن عمر يمهله حتى يتكلم فأنت من أجهل الناس بعمر، وإن قلتَ بأنه قاتله - وهذا هو العهد بالفاروق - فهل نحن أعلم بالحق وبالمصلحة من عمر الذي قتل أناس لأقل من هذا بكثير ولم يُمهلهم لإستتابة ولا إسلام ..