فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
انقطعت بهم السبل في منطقة جبلية وعرة، وجفّت القرب فلم يبق ماء، كادوا يسلموا أنفسهم، وأسلموا ظهورهم لصخر الجبل الشاهق، وبينا هم كذلك، إذا بأحدهم يصرخ: هذا غار كبير لننظر ما فيه، دخلوه وإذا به مخزن كبير جدًا للخمور المعتقة الغالية الثمن، شرب البعض حتى انتفخ بطنه، وآخرين بالكاد سدوا الرمق، والكل دخل تحت قاعدة"الضرورات"، وإن كان الآخرين أخذوا بالقاعدة كاملة فقالوا بأن"الضرورات تقدّر بقدرها"إلا أنهم لم يُنكروا على الأوائل لعلمهم بشدة الحال ..
انتدب نفر من أولي الهمة فصعدوا الجبل الشاهق وبلغوا ذروته بشق الأنفس، وصرخوا: أيها الإخوة هلموا، هاهنا خلف الجبل نهر جاري وجنات من نخيل وخير كثير .. صعد البعض وبلغوا القمة، وأكثر القوم آثروا السلامة وبقوا في الوادي السحيق تحت الجبل!! نزل أحدهم من القمة وقال للقوم: لا يجوز لكم البقاء هنا بعد ما علمتم ..
قالوا: لا نسنتطيع صعوده،
قال: لا يجوز لكم شرب هذا الخمر والماء خلف الجبل،
قالوا: إن هذا من الضرورات المرعية في الأحكام الشرعية!!
قال لهم: لا ضرورة والماء موجود،
قالوا: أنت لا تعرف الشريعة ولا تُحسن تقدير الضرورات والمصالح، فنحن لا نريد أن نهلك بصعود قمة هذا الجبل، فلن نبرح هذا المكان ولن نترك هذه القنانين المذهّبة لكلامكم ..
قال لهم: يا إخوان، الله حرّم الخمر ولا يجوز لكم تعاطيه وهو معصية وذنب عظيم وكبيرة من الكبائر!!
يا سفيه: هذا الخمر صار حلال لنا، بل واجب علينا شربه حتى لا نموت عطشًا ..
يا إخوان: أطيعوني واصعدوا الجبل وتوكلوا على الله وستبلغون مرادكم ..
يا مغرور: أتريد أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة، والله قد حرّم علينا ذلك!!
يا إخوان: التهلكة ما أنتم فيه من شرب للخمر والرضا بالدون وقلة الهمة وعدم التوكل على الله ..
أنت لا زلت شابا صغيرا لا تعي ما تقول!!
قال: إن استحللتم هذا الخمر مع وجود الماء فأنتم عصاة ترتكبون كبيرة من الكبائر، وربما تكفرون باستحلالكم الكبيرة!!
قالوا: فعلًا أنت ضال: ألا تعلم يا حدَث بأن شرب هذا الخمر هو عين العقل والمصلحة في حالنا هذه، وأن أم الخبائث - والحال هذه - تصبح"أم المصالح"، اذهب أنت وصحبك فارتقوا الجبل إنا ها هنا قاعدون!!