لا يجادل أحد بأن مبدأ القوة هو الذي يحكم عالمنا، وليس من مصلحة الدول القوية أن نكون مستقلين سياسيًا أو إقتصاديًا .. وقد رأينا ما فعلته الطائرات الأمريكية بالقرى الأفغانية من قتل للمدنيين وتشريد لشعب بأكمله، هذه الصورة كانت وما زالت أمامنا في العراق وفي فلسطين، فلا بد من الحكمة ..
قد يقول البعض بأنني أتكلم من منطق ضعف، وأقول: إننا فعلًا ضعفاء .. وأعتقد بأنه ليس هناك حكومة لا تحب الإستقلالية في القرار بما فيها حكوماتنا في الدول الإسلامية، ولكن الأمر ليس بيدها في هذه المرحلة، وعليها أن تخرج من هذه المرحلة بحكمة وبأقل قدر من الخسائر .. هناك طرق كثيرة تستطيع بها الحكومات تجنب المواجهة المباشرة مع أعدائها حتى يتسنى لها التقاط أنفاسها، وهناك أمثلة كثيرة تدل على أن الإرادة السياسية الحكيمة تستطيع أن تنقل الدولة الضعيفة نقلة نوعية إلى مصاف الدول القوية (كما فعلت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية) .
ولنضرب مثالًا على ما يمكن أن تفعله الإرادة السياسية في الدول العربية: لو أن الدول العربية شجعت الإستثمارات المحلية ووفرت لها التسهيلات والضمانات لاستقطبت أكثر من ألف مليار دولار (حجم الإستثمارات العربية في الدول الغربية) ولوفرت لها هذه الثروة الاستقلال الإقتصادي ومن ثم السياسي، ولكن لا بد من الإرادة السياسية و السبل العلمية الكفيلة بإعادة هذه الثروة (وقل هذا عن العقول المسلمة المهاجرة) .
على الحكومات أن تراعي الجانب العلمي والتقني معتمدة على الكوادر المحلية (المسلمة) لنهضتها والاستعانة بالخبرات المسلمة وتبادل التجارب مع الدول الإسلامية ومحاولة الإستغناء بقدر الإمكان عن أعدائها.
لا مكان للضعيف في عالمنا، و التبعية العمياء أول من يتبرأ منها هو المتبوع. فعلينا أولًا ان نتخلص من هذه التبعية بكل أشكالها (الثقافية، والإقتصادية، والعسكرية، وأخيرًا السياسية) ..
وهنا أمر مهم لابد من التنبيه إليه، وهو أنه لا يمكن للحكومات أن تنال الإستقلال السياسي قبل الإستقلال العسكري والاقتصادي، وهذين قبل الاستقلال الثقافي .. إن الذوبان الثقافي في المجتمعات الأخرى لا يخلق إلا التبعية، فعلى الحكام أن ينتبهوا إلى هذا إن أرادوا الإستقلال السياسي.
لابد للحكومات أن توفر لشعوبها جانبًا كبيرًا من الحرية، فإن الشعوب المستعبدة يتكون عندها رغبة في الخمول وضعف في الشخصية وشك في القدرات، ولذلك لما دعى موسى عليه السلام بنو إسرائيل لقتال أهل فلسطين"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ"