وهذا لأن فرعون كان يستعبدهم ويسومهم سوء العذاب فتعودوا على الذل وقصرت بهم الهمم حتى بدل الله ذلك الجيل بجيل آخر عاش حرًا في التيه فقادهم يوشع بن نون ودخلوا فلسطين. إن الذي يسوس العبيد إقطاعي وليس حاكمًا، إنما الحاكم الحقيقي هو الذي يقود الأحرار.
4 -العلماء
وأقصد بالعلماء هنا علماء الشريعة والدعاة إلى الله .. وهؤلاء يقع على عاتقهم حمل ثقيل، فهم حلقة الوصل بين الفئات المختلفة من الأمة الإسلامية (الشعوب - الحكومات - الحركات الإسلامية) . وهم اليوم - وبعد عدة قرون - أصبحوا أصحاب كلمة مسموعة بين الشعوب الإسلامية، وإليهم تشرئب الأعناق.
العلماء هم الذين يفتحون الأبواب للعامة، وهم الذين يستطيعون مخاطبة التنظيمات والحركات الإسلامية والتنسيق والتوفيق فيما بينها، وهم حلقة الوصل بين الحكام والشعوب .. وهذه الواجبات تحتاج إلى علماء على درجة عالية من العلم والحلم والحكمة خاصة في واقعنا اليوم ..
لا بد للعلماء من الإحاطة بالأوضاع الدولية والسياسات القائمة، وبآليات التنظيمات العالمية والأيديولوجيات الحديثة .. لابد للعلماء أن يكونوا مطلعين على ثقافات الدول التي نتعامل معها وأوضاعها السياسية والاقتصادية والإجتماعية، وأقصد هنا العلم البعيد عن السطحية .. وقد يقول قائل: أين الواقعية في هذا الكلام؟ وكيف لعالم أن يحيط بكل هذه الأمور؟!!
أقول: أنا لا أقصد عالمًا واحدًا بذاته، بل علماء يتواصلون فيما بينهم ويناقشون قضايا الأمة المصيرية ثم يصدرون عن رأي يكون هو الفصل في القضية دون تشتيت للأذهان والدخول مع الجماعات الإسلامية في مد وجزر بعد كل فتوى ..
لقد دعى بعض الدعاة إلى تشكيل لجنة مستقلة من العلماء من أجل هذه المهمة، ولكن للأسف لم تجد هذه الدعوة الصدى المطلوب لدى العلماء ..
وأمر آخر في غاية الاهمية: لابد للعالم ان يكون مستقلًا في فتاواه .. إن الإستقلالية في الفتوى يجب أن لا تكون محل بحث أو نظر .. إن العالم الذي يوقِّع عن رب العزة (تعبير التوقيع لابن القيم) لا يحتاج إلى إذن من البشر .. يجب أن تثق الأمة بأن العالم لا يصدر إلا عن الكتاب والسنة .. وهذا قد يتطلب من العلماء الكثير من التضحيات التي هي ضريبة العلم. لابد لكل زمان من ابن حنبل يقف في وجه المفاهيم الهدامة التي تحيد بالأمة عن السراط المستقيم، و مع وجود وسائل الإعلام الحديثة، تحتاج الأمة إلى أكثر من أبي عبدالله لكي يرد الناس إلى المنهج القويم. فلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم .. وعلى العلماء أن يعوا بأن العامة لا يتبعون المناهج بقدر ما يتبعون النماذج ..