سادسًا: قد يجبن العالم عن البيان خوفًا من التعذيب أو الأذى، والعالم بشر يخاف كما يخاف الناس، وليس كل عالم أحمد ابن حنبل أو ابن تيمية، فأحمد رحمه الله جهر برفض القول بخلق القرآن بينما لجأ جل العلماء في وقته إلى التورية خوفًا من الخليفة المأمون، وابن تيمية يقابل سلاطين التتار والمسلمين بكلام جبن عنه جل علماء عصره (حتى كانوا يستحلفونه قبل الدخول على قادة التتار أن يلين لهم القول) !! وهذا لا يقدر عليه إلا أولي العزم من العلماء الربانيين .. والجهر بالحق في أوقات المحن والفتن له منزلة عظيمة لا ينالها كل إنسان، ولذلك صنفها النبي صلى الله عليه وسلم في مراتب الجهاد، بل في أعلى مراتب الجهاد"إِنَّ مِنْ أَعْظَم الجِهَادِ كَلَمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر" (صحيح: الترمذي) ..
وقد تباحثت مع أحد العلماء الأجلاء حاجة الأمة في هذا الزمان لمثل مواقف ابن تيمية، فقال لي: وهل يستطيع أحد أن يصنع ما صنع هذا الرجل!!
سابعًا: ليس كل من درس في الأزهر أو الجامعة الإسلامية أو في جامعة الإمام يكون إيمانه كإيمان أبي بكر، وعدله كعمر، وتجرده كعثمان، وفقهه كعلي، وزهده كأبي ذر، وشجاعته كخالد، ودهائه كعمرو بن العاص، فالناس تختلف مداركهم، وبعض من دخل هذه الجامعات دخلها بنية الوظيفة والجاه والمنصب وليس لشرف العلم والعمل به، وهذا لا يخفى على كثير ممن درسوا في الجامعات الإسلامية أو خالطوا طلابها ..
ثامنًا: ليس كل من ثنى ركبتيه عند العلماء وصلى خلفهم يكون وريثهم .. فقد كان عبدالله بن أبي بن سلول يثني ركبتيه عند النبي صلى الله عليه وسلم وفي مسجده ويصلي خلفه في الصف الأول مع أبي بكر وعمر!!
تاسعًا: ربما يُخطاء العالم المتبحر خطأ يجر الويلات على الأمة الإسلامية وهو يعتقد في قرارة نفسه أنه على صواب .. وانظر إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله المبشر بالجنة كيف اجتهدوا فخرجوا على الخليفة الراشد علي رضي الله عنه فسفكت الدماء وتعطلت الثغور وظهرت الخلافات التي لا زالت الأمة تعاني منها إلى يومنا هذا (وهذا من قدر الله وحكمته) !! ولا يشك مسلم في أن هؤلاء الصحابة كانوا مجتهدين متأولين مخلصين متجردين للدين، والذي فعلوه لا يُنقص من قدرهم عند المسلمين أبدًا ولا ينبغي .. ومثل هذا الخطأ قد يكون علاجه بالشدة (بعد اللين والحوار) كما فعل علي رضي الله عنه الذي لم يترك بابًا للحوار إلا طرقه حتى لم يبقى أمامه إلا باب السيف، فكان ما كان .. وهذا باب عظيم من أبواب تقدير المصالح وجلب أعظم المصلحتين ودرء أعظم المفسدتين والناس في هذا العلم يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا.