وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه: إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضًا بذلك عن الغلب وهذا راجع للأول. ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله. (انتهى كلامه) وكأنه - رحمه الله - يصف حال المنافقين والمنهزمين في هذا الزمان:
عبيد للأجانب وهم دومًا على أبناء جلدتهم أُسود
أيها الأخ الكريم:
إعلم بأن طبيعة الملك تقتضي الدعة وإذا اتخذ الناس الدعة والراحة مألفًا وخلقًا صار لهم ذلك طبيعة وجبلة شأن العوائد كلها وإيلافها فتربى أجيالهم الحادثة في غضارة العيش ومهاد الترف والدعة وينقلب خلق التوحش وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك من شدة البأس وتعود الافتراس وركوب البيداء وهداية القفر. فلا يفرق بينهم وبين السوقة من الحضر إلا في الثقافة والشارة فتضعف حمايتهم ويذهب بأسهم وتنخضد شوكتهم ويعود وبال ذلك على الدولة بما تلبس به من ثياب الهرم. (من كلام ابن خلدون في المقدمة)
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة .... فلا تستعدن الحسام اليمانيا
ولا تستطيلن الرماح لغارة .... ولا تستجيدن العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى .... ولا تُتَّقي حتى تكون ضواريا
إن أمة العبيد لا يحق لها أن تزاحم الأشراف في الأرض، فخير لأمة هذا شأنها أن توسد الثرى .. وما قيمة الحياة إذا كان الإنسان مباح المال والدم والعرض لا يستطيع حتى أن يتأوّه إلا بأمر من غيره .. إن أمة سُلبت