الذهبي ليستفيد من الذهب المسال في رفع المعاناة عن بني إسرائيل، ولكن في حرق ونسف العجل حكمة بالغة: فقد أراد موسى عليه السلام أن يقطع كل علاقة بين قومه وبين هذا المعبود من دون الله، فكانت الحكمة أن يمحوا له كل أثر حتى لا يظهر لقومه جزء منه يذكّرهم ما كان منهم من شرك وكفر من دون الله وحتى لا تتعلّق قلوبهم بغير الله، وحتى يعرف قومه قيمة الذهب الحقيقية أمام الإيمان بالله، ولذلك قال لهم موسى عليه السلام بعد هذا الفعل العظيم {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} (طه: 98) ..
رحم الله إقبال إذا قال:
ندعو جهارا لا إله سوى الذي ... صنع الوجود وقدّر الأقدارا
ورؤسنا يا رب فوق أكفنا ... نرجوا ثوابك مغنما وجِوارا
كنا نرى الأصنام من ذهب ... فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها ... كنزا وصاغ الحلي والدينارا
لقد كان العجل الذي عبده بنو إسرائيل مصنوع من الذهب الخالص، ولكن ما يعبده الناس اليوم من رمزو تمثّل بريق ذلك العجل ذي الخوار ولا تقلّ فتنة عنه، إن لم تزيد عليه: فالحاكم عجل معبود من دون الله، والمال عجل، والهوى عجل معبود، والأفكار والنظريات والعقيدة المخالفة لمنهج الله عجل، والخوف من غير الله عجل معبود، فكل عجل من هؤلاء لا بد أن يُحرّق ويُنسف في يم التأريخ حتى تتحرر النفوس من كل ما يصرفها عن توحيد خالقها ..
إن أول عجل يجب التحرر منه هو عجل الخوف، ثم عجل الهوى، وكل عجل بعدهما مربوط بهما، ونحن نرى بوادر التخلّص من عجل الخوف في شام الإيمان، وسيلحقه عجل الهوى بإذن الله، ثم ترجع الشام - كما كانت - أرض الإيمان تزيح من طريقها الأدران، ويرجع جندها خير