وكما أن المتحمسون لحماس يُنكرون هذا الأمر ويستهجنونه، فالمتحمسون للطرف الآخر يطالبون بلازمه (في تصوّرهم) ، فيقولون بأن تكفير النظام يلزم منه تكفير أعيان الحكومة، وهذا غير صحيح، فالكفر المطلق لا يقتضي في كل الأحوال تكفير من وقع فيه، وهذا أمر بحثه العلماء وقرروه وأشبعوه دراسات، وصار عند كثير من طلبة العلم من البديهيات، وهو مذهب أهل السنة على مر العصور ..
بعضهم وقع من باب حفظه لشروط وموانع التكفير ثم إنزالها على الواقع، ولو نظر إلى أقوال العلماء في هذه الشروط والموانع لوجد اختلافهم فيها كبيرًا إذا أرادوا إنزاله على الواقع، فالموانع: كالجهل والتأويل والإكراه تحتاج إلى اجتهاد في إنزالها بعد تقريرها، وإنزالها يحتاج إلى معرفة دقيقة بحيثياتها: فما هو الجهل الشرعي، وما هو التأويل الشرعي، وما هو الإكراه الشرعي، وما يستساغ منها وما لا يُستساغ، وهل يكون مثل هذا الشخص جاهلًا، وهل هذا إكراه مُعتبر، وهل هذا تأويل مُستساغ من جهة اللغة أو الأصول أو غيرها!! هذه التفاصيل اختلف فيها أئمة الدين على مر العصور، حتى الصحابة اختلفوا في بعض هذه الأمور: فقد اختلفوا في أهل الردة الذين يقولون"لا إله إلا الله"ولكنهم امتنعوا عن بعض أمور الشريعة، اختلف سائر الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب مع: أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، فهل كان عمر جاهلًا بالكفر وشروطه وموانعه؟ لا، وإنما اجتهد في تنزيله على هؤلاء، واجتهد أبو بكر رضي الله عنهما، فكان الحق مع الصدّيق رضي الله عن صحابة نبينا أجمعين، ثم اجتمع كلهم على رأيه لمّا عرفوا الحق ..