شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل، فلما كان من الغد هجّرت [أي: بكّرت] فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قِبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ فقلت: ألله. فقال: آلله؟ فقلت: ألله. فأخذ بخبوة ردائي فجبذني إليه، فقال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال اللَّه تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ" (حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح) ."
وكل محبة في الله تبقى ... على الحالين من سَعة وضيقِ
وكل محبة فيمن سواه ... فكالحلفاءِ في لهبِ الحريقِ
[الحلفاء: نوع من الشجر]
إنما ذكرت لك هذا الخبر لأدخل السرور إلى قلبك، وذلك أن"من أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن , تقضي عنه دينا , تقضي له حاجة , تنفس له كربة" (ذكره الألباني في السلسة الصحيحة) ، ولئن كنت ذكرتُ لك حديثا فأنت قضيت حوائج الأمة، ونفست لها كرباتها، وقضيت عنها بعض دينها، وأرغمت أنف عدوها فكل ذلك يدخل من السرور على القلوب ما لا يعلمه إلا علّام الغيوب، فأنت أهل للثناء والشكر ..
سأجعل ما حَييتُ جميل شكري ... لما أسدَيْتَ من نِعَمٍ غِدَائي
ولستُ أرى الحياة تطيب، إلا ... بحسن تحَمُّدي لك والثناءِ
لقد زاد حبي لك لمِا وصفك الله به في كتابه، وعلى لسان نبيه، بأنك: هيّن ليّن ذليل رحيم خافض جناحك للمؤمنين، وبأنك: عزيز شديد غليظ مرعب مُرهب مترصِّدٌ ضاربٌ قاطعٌ لرقاب الكافرين، فأعجبُ كيف زرقك الله تلك الحكمة التي مكنتك من الموازنة بين الأمرين، وكيف رزقك ذلك العقل الذي يجعلك تفارق بين الصنفين، فلله عليك الفضل والمنة ..