فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
كما نسأله تعالى أن يبارك في أهل الجهاد وأن يرزقهم الثبات على الطريق، فليس مصادفة أن يقول الله تعالى في كتابه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200) ، وحاشا لله أن يصدف، وإنما هذه حكمة بليغة تختبر إيمان الصادقين وتربط الصبر بالتقوى والفلاح وبعمل المجاهدين من الرباط حتى لا يستعجل المؤمنون ثمار الأعمال ولا يشغلوا أنفسهم بغير النزال، وإنما النصر من عند الواحد الأحد، والمجاهدون أسباب، ولم يشترط الله عليهم النتائج، فعلى أهل الجهاد أن يجعلوا هذه الآية نصب أعينهم والله يتكفل بهم وينصرهم من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون ..
إن من ترك الصبر والمصابرة والرباط والجهاد وهجَر السلاح فإن الله قضى في محكم تنزيله {إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة: 39) ، وهذا الخطاب ليس موجهًا للمافقين، بل هو موجه لأهل الإيمان، فقد قال الله تعالى في الآية التي قبلها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} (التوبة: 38) قال البغوي في تفسيره"نزلت في الحث على غزوة تبوك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وكان ذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، حين طابت الثمار والظلال، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفاوز هائلة، وعدوًا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل الله"