فهرس الكتاب

الصفحة 3500 من 4091

أيدي أبنائها، وسياستهم شهوانية تشح عليها أنس طلابها، ويتعادى عليها أربابها، كما روي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لما أُتي بغنائم القادسية جعل يتصفحها وينظر إليها ويبكي، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين هذا يوم فرح وسرور، فقال: أجل ولكن ما أُوتي هذا قوم إلا أورثهم العداوة والبغضاء.

ثم ربما جعل الملوك ممالكهم وراثة منهم يرثها الأخلاف الأسلاف، والأبناء الآباء والأصاغر الأكابر، يعهد بعضهم إلى ولده من غير امتحان له في عقله، ولا معرفة منه بفضله، ولا وقوف على علمه بأمور الديانة التي هي أصل المملكة وأسّها، ولا استقلال بأسباب المُلك التي هي فروعها وحراسها.

فإذا وقع فيها الغرّ الممتحن بسُكْر الشباب والثروة، وسُكر العزّ والمملكة والفراغ والقدرة، ورأى أن ليس فوقه يد قابضة، ولا عين راقبة، ولا قوة قاهرة: أمِن حوادث الزمان واغترّ بمساعدة الأيام، ولم يُذكّر الأمن الخوف، ولا العزّ الذلّ، ولا الغنى الفقر، والظفر الخيبة، فخال الدنيا كلها سرورًا بحتًا، ولذّة صرفا، فاتبع فيها اللذات، وآثر الشهوات، ونسي ما صنع الله بمن كان قبله من أمثاله ممن هو أشدّ منه قوة وأكثر جمعًا، وعمي عما يشاهده في أيامه وساعاته من حوادث الزمان ونوائب الليالي والأيام، ولم يذكر ما قاله الملوك الأولون:"من تاه ولايته ذلَّ في عزّه".

وإذا صار كذلك صارت همّته من الملك التمتع حلالًا كان أو حرامًا، وبغيته من المقدرة التطاول والتسلّط حقًا أم باطلًا، وأعرض عن أحكام الدنيا جانبًا، وضرب عن حدود السياسة صفحًا، وصارت سياسته عبثًا، ورعايته لهوًا، ثم خلف ذلك في عقبه ميراثًا، وفي أتباعه سنّة.

وعند ذلك يكثر في رعيته الظالم والمظلوم والغاشم والمغشوم واقتدوا بملوكهم في إمراج النفس في لذاتها، وإتيان هواها من الشهوات الحيوانية الصادة عن موجبات العقول. وتفرقت عنه الأهواء، واختلفت فيها الآراء، فأما أبناء الدنيا والمُؤثرون لها والحرصاء عليها فتقرّبوا إلى الملوك بالنصائح التي لهم شطرها والمشورات التي لهم ثمرتها، فكثر عند ذلك وزراء السوء أعوان الظلمة، فجرّعوهم الغش في طعم النصح، وأروهم الضلال في صورة الهدى، وعرضوا عليهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت