فهرس الكتاب

الصفحة 3542 من 4091

ذهب إلى جزيرة العرب ومهبط الوحي وكأنه يشكوا رمالها - التي وطأتها أرجل الصحابة - حال أمتهم من بعدهم، كأني به - رحمه الله - جالس في روضة المسجد النبوي ينظر إلى ذلكم المسجّى في قبره - صلى الله عليه وسلم - وإلى صاحبَيْه وقد خانته الكلمات، وخنقته العبرات يُقلّب بصره فلا يجد من الأحياء من يُفضي له، فيخاطب الفاروق بكلّ أدب وحسرة قائلًًا: سيّدي عمر، لقد أضاع المسلمون فلسطين التي فتحتها أنت وأصحابك .. لقد باع فلسطين من تسلّط على رقاب المسلمين ويحكمهم وهو بجوارك!! أليست لك صحوة يابن الخطّاب!! ثم يتذكّر الشيخ حال حكّام المسلمين فيرد طرفه إلى القبر ليقول: لا ترجع يا عمر، فوالله لو رجعت لباعك هؤلاء للنصارى بثمن بخس دراهم معدودات وكانوا فيك من الزاهدين!! ثم يحلّق الشيخ بقلبه في السماء ليشكوا بثّه وحزنه إلى الله ..

في هذه الفترة العصيبة من حياة هذا المسلم الحزين، أتت أخبار عن نقع وغبار من مكان بعيد: في بلاد خراسان .. قوم من أهلها نفضوا غبار الذلّ عن أكتافهم وأعلنوا الجهاد يقودهم علمائهم!! لم يصدّق الشيخ عزام نفسه!! علماء يقودون جهادًا في وقتنا هذا!!

أيقن بالخبر فطار إلى خراسان يسابق جسده قلبُه حتى كان على حدودها، فزاد يقينه، وما ملكت رجلاه إلّا أن دخلت تلك الأرض الأبيّة، فما التفت بعدها للدنيا إلّا مرّة واحدة بعد دخوله أرض الجهاد بقليل ليقول لها: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالقٌ طلاقًا لا رجعة فيه ..

هناك في أفغانستان سمع عزام الرشّاش يُغرّد، ورأى القنابل تُزيّن ظلمة الليل، وشاهد الدبّابات تتراقص فتذكّر أيام شبابه يوم أن كان مجاهدًا في فلسطين، هناك رأى رجالًا يركبون الحمير، ويشربون اللبن، ويأكلون الضأن، ويلبسون الصوف، ويعتمّون بالعمائم، ويُطلقون اللحى، ويعتلون الجبال، ويسكنون الطين، ويحملون السلاح، ويُكبّرون الله، ويقتلون الكفّار: لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت