فهرس الكتاب

الصفحة 3571 من 4091

يكن الله جل في علاه هو المُراد والمطلوب والمقصود، ويكون التوكّل عليه وحده دون سواه، قال ابن كثير رحمه الله"يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئًا فولّوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه ... ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن قلّ الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" (انتهى) ..

وما أجمل كلمات سيّد قطب رحمه الله في هذه الحادثة، حيث قال في الظلال"إن معركة حُنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الإنشغال عن الله، والإعتماد على قوة غير قوته، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية. حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة. إن الكثرة العددية ليست بشئ، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة: فيشيعون الإضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في ثوثيق صلتهم بالله، إنشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة. لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح" (انتهى) ، رحم الله سيدًا وجزاه عن الأمة خير الجزاء، فهذا وصف دقيق لحال بعض الطوائف اليوم وما آلت إله بعض الجماعات من التركيز على الكمّ دون الكيف، فكان أن تخلخلت الصفوف وتضعضعت لخفّة القواعد وهشاشة البنيان ..

إن الأصل في المؤمن أن يطلب العون والمدد من الله، خاصة إذا علم أن من يطلبه: يماطله ثم لا يعطيه إلا ما يريد عدوّه، ومثل هذا لا يمد عاقل له يد ولا يرجو منه فضل، فكيف بمسلم أعزه الله بالجهاد في زمن الغربة والناس يعدّونه رأس الطائفة المنصورة التي بشّر بها النبي صلى الله عليه وسلم!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت