فهرس الكتاب

الصفحة 3658 من 4091

فقال له: أفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لاحاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه. فكان هذا وغيره ممن عرض النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر عليهم يعلمون ما هم مقدمون عليه من معادة العرب وقتالهم ..

وفي بيعة العقبة أخذ أسعد بن زرارة- وهو أصغر سبعين كانوا في البيعة - بيد النبي صلى الله عليه وسلّم قبل ان يبايعه القوم، فقال:"رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلاونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأنتعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافونمن أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله".

فقال الأنصار:"يا أسعد، أمِطْ عنا يدك. فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها"..

وهذا ديننا الآن قد صار إلى ما صار إليه في ذلك العهد: فالذي يختار هذا الدين وهذا الطريق فإن من حوله يناصبونه العداء، ولا أقصد بالدين هنا: دين الدروشة والإرجاء، وإنما أقصد الدين الحق الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلّم، والذي قال فيه ورقة بن نوفل"لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِىَ"، فهذا هو دين الأنبياء والأولياء والصدّيقين، الدين الذي يُعلن صاحبه الحرب على الباطل: فلا مساومة ولا مداهنة، ومن استمسك بهذا الدين اليوم: تحاربه العرب والعجم معًا!!

هذا هو دين الغرباء الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه جابر"إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء، قال: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس"، فإذا ترك الناس الأمر الأوّل: قيّض الله لهذا الدين"الغرباء"يُظهرون ما طُمس منه، ويُصلحون ما أفسد الناس من معانيه ..

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرض على القبائل وظيفة حماية شخصه، وإنما كان يعرض عليهم مسؤولية حماية هذا الدين وتبليغه للناس ومعاداة من يعاديه وموالاة من يواليه، وبعد وفاته -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت