فهرس الكتاب

الصفحة 4029 من 4091

هؤلاء الحكام ما كانوا ليفعلوا كل هذا لولا جهلنا نحن بحقوقنا الشرعية التي كفلها الله لنا، والتي من أهمها: محاسبة ولاة الأمر، هذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخطب الجمعة بالناس - وكان قد أتته ثياب من اليمن فوزّعها على المسلمين كل مسلمٍ ثوبًا - فبدأ الخطبة وعليه ثوبان، وقال: أيها الناس، اسمعوا وعوا. فقام سلمان - رضي الله عنه - من وسط المسجد، وقال: والله لا نسمع ولا نطيع!! فتوقف عمر واضطرب المسجد، وقال: ما لَكَ يا سلمان؟ قال: تلبس ثوبين وتُلبسنا ثوبًا ثوبًا ونسمع ونطيع؟! قال عمر: يا عبد الله [بن عمر] قمْ أجب سلمان، فقام عبد الله، وقال: هذا ثوبي الذي هو قسمي مع المسلمين أعطيته أبي، فبكى سلمان، وقال: الآن قلْ نسمعْ، وأمرْ نُطِعْ، فاندفع عمر يتكلم. (اعلام الموقعين لابن القيم) ، فلم يُنقل عن واحد من الصحابة في ذلك الموضع أنه قال لسلمان رضي الله عنه: اسمع وأطع خليفة المسلمين الفاروق وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فالصحابة لم يكونوا يفهموا الحديث بالمعنى المتداول اليوم، بل كانوا يقفون في المسجد ويقولون للخليفة الراشد"لو حدْت عن الحق لقوّمناك بسيوفنا"..

وهذا حديث آخر يبين فهم فقهاء الصحابة لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبيّن مدى معرفتهم بحقوقهم السياسية الشرعية: جاء عند الطبري وغيره أن عنبسة - وهو أخو الخليفة معاوية رضي الله عنه - أراد أن يُجري ماءً في أرضه وكان بين الماء وبين أرضه أرض لآل عمرو بن العاص، فركب عبد الله بن عمرو في جماعة من رهطه وغلمانه ووقف أمام الأرض وقال بأنه لن يدخلها عنبسة حتى يفنى كل من معه، فأتى خالدٌ بن العاص (وهو عم عبد الله بن عمرو) عبد الله بن عمرو فوعظه، فقال عبد الله بن عمرو: أما علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من قُتل دون ماله فهو شهيد" (والحديث عند مسلم وغيره) ..

هذه التربية العملية في الحرّية السياسية ومراقبة المسؤولين اكتسبوها من بيئتهم العربية الحرّة، وأقرها الشرع المنزّل بأبهى صورة، ولذلك قال الصدّيق رضي الله عنه في أول خطبة بعد توليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت