فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 4091

شديدة، ونظر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال:"الآن حَمِي الوَطِيسُ".

ثم أخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب الأرض، فرمي بها في وجوه القوم وقال:"شاهت الوجوه"، فما خلق اللّه إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا من تلك القبضة، فلم يزل حَدُّهُم كَلِيلًا وأمرهم مُدْبِرًا.

وما هي إلا ساعات قلائل - بعد رمي القبضة - حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وقتل من ثَقِيف وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح وظُعُن. وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله:"وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ" (التوبة: 25 - 26) ..

لقد تكالب الكفار على المسلمين ورموهم بالنبال التي ندر أن تسقط على الأرض فضاقت على المسلمين الأرض بما رحبت فولّوا مدبرين، ولكن نداء الإيمان أتى من عند القائد الصابر المجاهد الذي ظهرت شجاعته المنقطعة النظير، فقد طفق (عليه الصلاة والسلام) يركض بغلته قِبَل الكفار، وهو يقول:

أنا النبي لا كَذِبْ .... أنا ابن عبد المطلب

وأبا سفيان بن الحارث آخذا بلجام بغلته، العباس بركابه، يكفانها ألا تسرع، ثم نزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربه قائلًا:"اللّهم أنزل نصرك"..

إن الصدمات قد توهن الأبطال، وتُضعف من همة أهل النزال، ولكن أصحاب الإيمان الراسخ واليقين الصادق لا تتزلزل لهم أركان ولا ينتفض لهم بنان ولو اجتمع لحربهم الإنس والجان، وانظر إلى قوله تعالى محدثًا عن أهل الخندق"وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا" (الاحزاب: 22) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت