لقد كان رحمه الله سياسيًا بارعا ورجلًا مهيبًا، فيه من الجد والحزم ما جعل الخاصة تهابه قبل العامة، يقول ابن الأثير في تاريخه: كان حسن الصورة أسمر اللون مليح العينين قد وخطه الشيب وكان قد زاد عمره وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته عظيم السياسة لا يقدر القوي على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابًا من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج فعمرها وامتلأت أهلًا وسكانًا.
ورغم هيبته وسطوته إلا أنه كان متواضعا بسيطًا، قال ابن الاثير: فلقد رأيت غلمانه ينصبون خيامه في الوحل وقد جعلوا على الأرض تبنًا يقيهم الطين وخرج فنزلها، وكانت سياسته إلى هذا الحد.
ومن حزمه أنه كان شديد الغيرة، ولا سيما على نساء الأجناد وكان يقول: إن لم نحفظ نساء الأجناد بالهيبة وإلا فسدن لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار.
أما شجاعته، فقد قال عنها ابن الأثير رحمه الله: وكان أشجع خلق الله، أما قبل أن يملك فيكفيه أنه حضر مع الأمير مودود صاحب الموصل مدينة طبرية وهي للفرنج فوصلت طعنته باب البلد وأثر فيه، وحما أيضًا على قلعة عقر الحميدية - وهي على جبل عال - فوصلت طعنته إلى سورها، إلى أشياء أخر.
وأما بعد الملك: فقد كان الأعداء محدقين ببلاده وكلهم يقصدها ويريد أخذها وهو لا يقنع بحفظها حتى أنه لا ينقضي عليه عام إلا ويفتح من بلادهم.
ورغم كثرة اشتغال الرجل بفتوحاته إلا أنه لم ينس أن يربي أبنائه تربية إيمانية مبنية على عقيدة التوكل على الله، مقرونة بعقيدة الولاء والبراء وحب نصرة الدين والبذل من أجله، فكان أن ترك للأمة خير وارث لخير إرث .. قال ابن الأثير رحمه الله: لما قتل أتابك زنكي أخذ نور الدين محمود ولده خاتمه من يده وكان حاضرًا معه وسار إلى حلب فملكها. (انتهى) ..
رحمك الله يا زنكي وأثابك خير المثوبة على ما قدمت للأمة وعلى ما أحييت فيها من فريضة غابت عنها دهرًا من الزمان ..
كانت فترة عماد الدين زنكي بمثابة الجرس الذي نبّه الأمة وأيقظها من سباتها، ولكن الفترة التي تلتها كانت هي التي أعادت الأمة إلى رشدها وذكّرتها بوعد الله سبحانه وتعالى ووعيده، فكانت الأمة، بل والتاريخ، على موعد مع نوعية فريدة من الرجال قلما يتكررون تاريخ الأمم .. كانت الأمة على موعد مع القائد العبقري الفذ"نور الدين محمود":