قال ابن كثير رحمه الله: كان الملك الظاهر شهمًا شجاعًا عالي الهمة بعيد الغور مقدامًا جسورًا معتنيًا بأمر السلطنة، يشفق على الإسلام، متحليًا بالملك، له قصد صالح في نصرة الإسلام وأهله، وإقامة شعار الملك واستمرت أيامه من يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين إلى هذا الحين [سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة] ..
ففتح في هذه المدة فتوحات كثيرة: قيسارية، وأرسون، ويافا، والشقيف، وإنطاكية، وبعراس، وطبرية، والقصير، وحصن الأكراد، وحصن عكار، والغرين، وصافينا وغير ذلك من الحصون المنيعة التي كانت بأيدي الفرنج.
ولم يدع مع الإسماعيلية شيئًا من الحصون، وناصف الفرنج على المرقب، وبانياس وبلاد انطرسوس، وسائر ما بقي بأيديهم من البلاد والحصون، وولى في نصيبه مما ناصفهم عليه النواب والعمال وفتح قيسارية من بلاد الروم.
وأوقع بالروم والمغول على البلستين بأسًا لم يسمع بمثله من دهور متطاولة، واستعاد من صاحب سيس بلادًا كثيرة، وجاس خلال ديارهم وحصونهم، واسترد من أيدي المتغلبين من المسلمين بعلبك، وبصرى، وصرخد، وحمص، وعجلون، والصلت، وتدمر، والرحبة، وتل باشر وغيرها، والكرك، والشوبك، وفتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد السودان.
وانتزع بلادًا من التتار كثيرة، منها شيرزور، والبيرة، واتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة، وعمر شيئًا كثيرًا من الحصون والمعاقل والجسور على الأنهار الكبار ...
وله من الأثار الحسنة والأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء وملوك بني أيوب، مع اشتغاله في الجهاد في سبيل الله واستخدم من الجيوش شيئًا كثيرًا، ورد إليه نحوًا من ثلاثة آلاف من المغول فأقطعهم وأمَّر كثيرًا منهم، وكان مقتصدًا في ملبسه ومطعمه وكذلك جيشه، وهو الذي أنشأ الدولة العباسية بعد دثورها، وبقي الناس بلا خليفة نحوًا من ثلاث سنين، وهو الذي أقام من كل مذهب قاضيًا مستقلًا قاضي قضاة.
وكان رحمه الله متيقظًا شهمًا شجاعًا لا يفتر عن الأعداء ليلًا ولا نهارًا، بل هو مناجز لأعداء الإسلام وأهله، ولم شعثه واجتماع شمله.
وبالجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عونًا ونصرًا للإسلام وأهله، وشجًا في حلوق المارقين من الفرنج والتتار، والمشركين.
وأبطل الخمور ونفى الفساق من البلاد، وكان لا يرى شيئًا من الفساد والمفاسد إلا سعى في إزالته بجهده وطاقته. (انتهى) ..