وللمنافقين أحوال:
فمنهم من هو ظاهر الإسلام لا يُظهر نفاقه للناس إلا على نطاق ضيّق جدًا، فهذا يوكل سرّه إلى الله ويُعامل معاملة المسلمين: لجهلنا بحاله، فلا نتّهمه ولا نُشنّع عليه ..
ومنهم من يُظهر نفاقه ولاكن لا يضر المسلمين ولا يؤذيهم، فهذا يُعامل معاملة المسلم في الأحكام العامة مع النصح والبيان وإظهار"الكفهرة"حسب المصلحة ..
ومنهم من يُظهر نفاقة على مستوى كبير، وربما خذل المسلمين وأضرّ بهم في أوقات حرجة (كما فعل ابن سلول في غزة بدر وأحد وغيرها) ولكنه لا يزال في صفوف المسلمين ويزعم أنه منهم، فهذا يُنظر فيه: فإذا كان في قتله مصلحة للدين، قُتل، وإلا تُرك مع معاملته وفق ما تقتضيه المصلحة (وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع منافقي المدينة) ..
ومنهم من يُظاهر الكفار على المؤمنين ويواليهم وينخرط في صفوفهم لقتال المسلمين ويعينهم على قتالهم بالمال والنفس، فهذا لا شك أننا نقتله إن ظفرنا به (إن اقتضت مصلحة الدين ذلك) لإظهاره الكفر الصراح ولمحاربته المسلمين، وهذا ما أفتى به ابن تيمية في شأن من انضم إلى صفوف التتار ممن زعموا أنهم مسلمون، وكفر هذا محل إجماع عند المسلمين لأنه والى المشركين ضد الإسلام وأهله ولاء ظاهرا ..
هذا في شأن المنافقين .. ولكن هناك فرق بين المنافق والمغرّر به: فالمنافق كافر أصلي يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر (وهذا هو النفاق الأكبر) ، قال"الشيخ محمد التويجري"في كتابه"أصول الدين الإسلامي":"والمنافقون كفار بين المسلمين، البغضاء تبدو من أفواههم، والحقد يملأ قلوبهم، ولكن الله لهم بالمرصاد، كما قال سبحانه:"إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط" (آل عمران:120) . (انتهى) .."
أما المُغرر به أو الجاهل: فهو مسلم يظنّ أنه على حق أو على طاعة وهو ليس كذلك، ولكنه باقٍ على إسلامه، ولا بد له من بيان وإزالة للّبس الذي في صدره لأنه قد يكون أشد إخلاصًا للدين من كثير من الناس وأعظم عاطفة، إلا أنه جاهل أو مغرّر ..
كثير من عامة المسلمين من هذا النوع: فكثير منهم لا يُدرك أبعاد الأمور ولا مآلاتها، ولا يعرف الأحكام الشرعية المترتبة على أعماله حق المعرفة، وهم تبع لعلمائهم في أمور دنياهم ودينهم، والمتتبع لأحوال علماء السلف مع أمثال هؤلاء يجد أنهم لم يُكفّروهم أبدًا ولم يستحلّوا منهم ما يستحلّون من الكفار والمنافقين ..