عليه وسلم لم يقتصّ لتلك الحادثة الفظيعة في أحد لأن مصلحة الدعوة اقتضت عدم فعل ذلك، كما اقتضت المصلحة إهدار دم الأربعة، ولو كان الأمر بالتشفي لأمر بضرب عنق هند بنت عتبة رضي الله عنها التي لاكت كبد عمه، أو أمر بضرب عنق وحشي الذي قتل عمه ..
وقارن فعله هذا بما فعله عليه الصلاة والسلام في شوال سنة 6 هـ، وذلك أن رهطًا من عُكَل وعُرَينَة أظهروا الإسلام، وأقاموا بالمدينة فاستوخموها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذود في المراعي، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل، وكفروا بعد إسلامهم، فبعث في طلبهم كرزًا الفهري في عشرين من الصحابة، ودعا على العرنيين: (اللّهم أعم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مَسَك) ، فعمي الله عليهم السبيل فأدركوا، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسَمُلَتْ أعينهم، جزاء وقصاصًا بما فعلوا، ثم تركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا، (وحديثهم في الصحيح عن أنس) ..
فالأوّل عمّه الذي هو أخوه من الرضاع ومن أحب الناس إليه، ومع ذلك لم يثأر النبي صلى الله عليه وسلم له ولم يمثّل بقريش لأن المصلحة لم تقتضي ذلك، ولما فعل العرنيون ما فعلوا براعي النبي صلى الله عليه وسلم من تمثيل وقتل، فعل بهم النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل، وذلك للمصلحة أيظا .. فالداعي للجهاد وللقتل وللتمثيل ليس الإنتقام والتشفي وإنما المصلحة العامة للدعوة ..
لقد منّ الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بأعظم رسالة عرفتها البشرية، وقدّر الله سبحانه وتعالى أن لا تنتشر هذه الرسالة إلا بأنهار الدماء وجبال الأشلاء وبحار الدموع، ومن ظن أنها تبلغ ما بلغت بغير هذه الأمور فهو من أجهل الناس بسنن الله، ولا والله لم يصل إلينا هذا الدين إلا بدموع النبي صلى الله عليه وسلم ودمه وعرقه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ..
لا بد من الإبتلاء، ولابد من التمحيص ولا بد الإختبار، ولا بد من التضحيات، ولابد من سكب العبرات على الإخوان والخلّان ومفارقة الأحباب ودفن الأشلاء وجمع قطع أجساد الرفقاء، فلسنا والله بأعزّ عند الله من أسده الحمزة الذي بُقر بطنه وليك كبده وقّطّعت آذانه وجُدع أنفه .. فالأمر ليس سهلًا ..
إن الشدّة ليست بالقتل والتفجير، فهذا يُحسنه كثير من الناس، ولكن الشدّة أن نملك أنفسنا عند الغضب، والحكمة أن لا يستفزّنا الأعداء، وأن لا تكون أفعالنا ردود فعل لأفعاله، فهذا ما يُريده العدو، ولسنا على