لقد وقف العالم مذهولًا أمام هؤلاء الرجال الذين لم تهتز معنوياتهم في وقت تتساقط عليهم حمم النار من السماء .. كيف يتكلم هؤلاء عن النصر بلغة الجبال الصلبة التي اتخذوها مرابط يقتنصون منها الأعداء!! إنها الثقة بالله وتمام التوكل عليه .. يقول ابن القيم رحمه الله:"التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الراس، فكما لا يقوم الراس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل" (طريق الهجرتين)
فما هو هذا التوكل الذي دوخ الكفار!!
في لغة العرب:"التوكل مأخوذ من الوكالة، يقال: وكل فلان أمره إلى فلان، أي فوض أمره إليه، واعتمد فيه عليه. فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الموكل .." (مختصر منهاج القاصدين"لابن قدامة) "
وحتى لا يتهمنا البعض بالسلبية، كما هو حال كثير من الناس، فلا بد من بيان أن معنى التوكل ليس"ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة، وكلحم على وضم (شيء يُجعل عليه اللحم) ،فهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع. والشرع قد أثنى على المتوكلين، وإنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه إلى مقاصده .." (مختصر منهاج القاصدين) . فعلى العبد أن يسعى في الأسباب المقرونة بالتوكل على الله ..
"لا يُكلّف الله ُ نفسًا إلا وُسعها"
لا أعرف آية في القرآن ظُلمت (إن صحّ التعبير) كهذه الآية .. والحقيقة أن في هذه الآية معنى عظيم للتوكل على الله .. فكثير من الناس إن قلت لهم قوموا واعملوا وارفعوا راية الحق، اكتبوا .. تكلموا .. تصدقوا .. ، قالوا: نحن ضُعفاء و"لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها"!! فيا لله: هلا بذلتم كل ما في وسعكم، ثم لما نفذت طاقتكم قلتم"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"!! فالمقصود بالآية ليس ربع الوُسع ولا نصفه ولا ثلاثة أرباعه، بل كله .. فأين كل الوسع؟