قولان للفقهاء: منهم من قال: بأنه يتعين عليه الدم لأنه ترك واجبًا, ومنهم من قال: يستغفر الله ويتوب إليه, لأن هذا الدم لا دليل عليه, وأموال المسلمين معصومة بعصمة دمائهم, وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام, كحرمة يومكم هذا, في بلدكم هذا, في شهركم هذا» . ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أوجب دما, أما قول من قال: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب دمًا على كعب بن عجرة حين حلق رأسه, وهذا في إزالة محض وهذا في ترك واجب, أما قول ابن عباس: من ترك شيئًا من نُسكه أو نسيه فليُهرق دمًا". رواه مالك في الموطأ بسند صحيح فهم أخذوا ببعض الأثر وتركوا بعضه, ابن عباس يقول: من ترك أو نسي فهم أخذوا بالترك وتركوا النسيان, والله - عز وجل - يقول: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] ."
وعادة الناس: يتركون ذلك إما عن نسيان أو عن جهل, فلا شيء عليه, أما لو تعمد ذلك أيضًا ففيه خلاف أيضًا, فإن أبا محمد بن حزم يرى أنه لا دم عليه, وهذا مروي عن طائفة من أهل العلم, بدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته, ولم يُوجب عليه دما, مع أنه ترك واجبًا, وكان متعمدًا ولكنه يعتذر عن نفسه بأن له سقاية, بينما كعب بن عجرة حين حلق رأسه أوجب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - دمًا وكان معذورًا, فعُلم من هذا الحديث: أنه ترك واجبًا ولا أوجب عليه دما, لأن أكثر الناس اليوم يتوسع في الدماء, يأتي إليه الرجل ويقول: حككت جلدي؟ يقول: عليك دم. قصصت شيئًا من شعري؟ يقول: عليك دم. تطيبت ناسيًا؟ يقول: عليك دم, حتى غلت الخرفان بسبب هذه الفتاوى الجائرة التي لا دليل عليها لا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحدٍ من الصحابة, مع أن الحديث لو يعني قيل به وقيل بالقياس مُخير ما قال