الأمر الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتقصد تغيير المكان وهذه مسألة خلاف وفيها قولان للعلماء:-
القول الأول: أنه يُستحب أن يُغير المكان كي تشهد له البقاع, وورد في ذلك حديثان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وكلاهما ضعيفان, واستدل أصحاب هذا القول أيضًا بقول الله - عز وجل: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة:4] , قال غير واحد: أي تشهد على العامل بما عمل على ظهرها, وهذا جاء مرفوعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ورجح غير واحد من الحافظ وقفه ... , ولكن أيضًا اُعترض على الاستدلال بأن المقصود تشهد على العامل بما عمل على ظهرها لا يعني أن تتنقل من مكان إلى مكان بمجرد أن تصلي عدة صلوات في بقعة واحدة تشهد لك يوم القيامة, قالوا: بأن الذي أُنزلت عليه هذه السورة ما كان يتنقل من مكان إلى مكان, واستدلوا على هذا أيضًا بقول الله - عز وجل: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} [الدخان:29] , قالوا: هذا دليل على أن الأرض تبكي على العامل بما عمل على ظهرها, فيُستحب الاستكثار من العبادة في البقاع حتى تبكي عليه حين يموت وتشهد له عند الله - عز وجل - , واعترض على هذا الاستدلال أيضًا أنه لا مانع أن لا تبكي الأرض على المكان ولو اتخذته مُصلى, واستدلوا على هذا بأن عتبان بن مالك لما طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي له في مكان يتخذه مُصلى وضع له مكانًا ولا غيره, فدل هذا على أن هذه البقعة تشهد له يوم القيامة, وأن هذا المكان يشهد له يوم القيامة, وهذا أقوى استدلالًا, لأننا لو أردنا أن نستدل لا نعزل الأدلة الشرعية أو ظواهر الاستنباطات من واقع النبي - صلى الله عليه وسلم - وواقع الصحابة رضي الله عنهم, لو نظرنا واقع النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يصلي نافلة, ثم يذهب إلى الزاوية الأخرى يصلي أخرى, ويقول: تشهد لي الأرض ... لأن الأرض تشهد حتى لهذه البقعة, المكان الذي