أولا: معنى تاريخ السنة:
التاريخ لغة: مأخوذ من الفعل (أرخ) يقال: أرخ الكتاب:حدد تاريخه، وأرخ الحادث ونحوه: فصل تاريخه وحدد وقته [1] .
والتاريخ اصطلاحا: فنٌّ يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت،بل عما كان في العالم، وموضوعه: الإنسان والزمان [2] .
ومن خلال هذا التعريف للتاريخ، يمكننا تعريف (تاريخ السنة) بأنه: (الأدوار التي تقلبت فيها السنَّةُ أو المراحلُ التي مرت بها من لدنْ صدورها عن صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - إلى أن وصلت إلينا: من حفظ في الصدور، وتدوين في الصحف، وجمع لمنثورها، وتهذيب لكتبها، ونفي لما اندس فيها، واستنباط من عيونها، وتأليف بين كتبها، وشرح لغامضها... إلى غير ذلك مما يعرفه القائمون على خدمتها، والعاملون على نشر رايتها) [3] .
ثانيا: معنى مناهج المحدثين.
في اللغة: المناهج جمع منهج،والمنهج - كما يقول أهل اللغة - هو الطريق أو السبيل الواضحة البينة، والمناهج والنهج: كالمنهج [4] .
قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [ المائدة /48 ] . أي سبيلا وسنة.
في الاصطلاح: الطرق أو السبل التي سلكها المحدثون في رواية الأحاديث وتصنيفها بحسب شروط معينة، والتعليق عليها.
ويدخل في قولنا: (رواية الأحاديث) طرق التحمل والأداء الشفوية والكتابية، وزدنا (تصنيفها) في التعريف على قولنا (رواية الأحاديث) لأن الرواية قد لا تكون تصنيفا، كرواية الصحابة والتابعين رضي الله عنهم قبل بدء التصنيف.
ثم إن قولنا (تصنيفه) يشمل مناهج التصنيف العامة، أي أنواع المصنفات في الحديث النبوي كالجوامع والسنن والمسانيد والمعاجم.
وقلنا (بحسب شروط معينة) لتدخل الصفات التي يلتزمها كل محدث في رواة الأحاديث التي يختارها لكتابه، وفي الوجه الذي يروي به كل راو عن الآخر.
وقلنا و (التعليق عليها) لتدخل الفوائد الفقهية والإسنادية التي يبرزها أو يشير إليها كل واحد من المحدثين. (أي المنهج الخاص الذي يختصُّ به كل محدث عن أمثاله) .
وهذا الشمول في التعريف أليق بمناهج المحدثين،كما أنه أوفى بالغرض من الاقتصار على المناهج في التأليف، سواء المناهج العامة في ترتيب الأحاديث،أو الخاصة الفقهية والفنية، لأن الشمول الذي ذكرناه يسلط الضوء على مناهج الرواية، وقد غفل عنها كثيرون،مع أنها ركن في معرفة انتقال الحديث عبر حلقات الإسناد انتقالا محكما محكوما بقواعد وضوابط دقيقة، تكفل سلامة النص في هذا الانتقال، وتحقق اتصال السند، كما تبين حال الراوي من مقابلة طريقته في الأداء للحديث بطريقة تلقيه لهذا الحديث،من حيث العدالة أو اختلالها،ومن حيث التوافق الصريح بينهما، أو التدليس في الأداء بما يوهم طريقة عالية في تلقي الحديث سوى التي أخذ بها الحديث، وغير ذلك [5] .
مناهجُ المحدثين العامة والخاصة:
ومن هذا يتبين للقارئ أن مناهج المحدثين قسمان: مناهج عامة، ومناهج خاصة.
أما المناهج العامة: فهي الطرق التي يسير على كل منها جماعة من المحدثين، مثل كتب: المسانيد، والجوامع، والسنن، والمعاجم، وغير ذلك.
وأما المناهج الخاصة: فهي كل طريقة يختص بها المحدث عن غيره مما هو على طريقته العامة.
مثال ذلك: صحيحا البخاري ومسلم، يشتركان في المنهج العام للتصنيف، لأن كلا منهما مرتب على الموضوعات. ثم يستقلُّ البخاري بمنهجه الخاص في الاعتناء بفقه الحديث،وإفادته هذا الفقه بواسطة التراجم، أي عناوين الأبواب،وما تفرع على ذلك من تقطيع للأحاديث وتفريقها في مواضع متعددة.
ويستقلُّ مسلم بالاعتناء بصنعة الإسناد، وما ترتب عليه من فوائد، فيصدر الباب برواية الحديث عن الثقات المتقنين، ثم يرويه عمن دونهم، ويجمع طرق الحديث وشواهده في موضع واحد، يشير بذلك إلى فوائد في السند والمتن كما ذكر في مقدمة صحيحه.وهكذا نجد لكل كتاب من الأصول الستة، أو المصادر المشهورة منهجا خاصا تفيد معرفته الكثير [6] .
علاقة مناهج المحدثين بتاريخ السنة:
مناهج المحدثين شيء ملازم ومقارن ومصاحب للسنة النبوية في كل أدوارها وجميع مراحلها، فقد كان لأهل كل عصر من عصور السنة، وكل دور من أدوارها مناهجهم الخاصة في خدمة السنة والذب عنها حسبما أملته طبيعة العصر، واقتضته ظروف المرحلة، كما ستقف على ذلك لاحقا بمشيئة الله تعالى.
فوائد دراسة تاريخ السنة ومناهج المحدثين
لدراسة تاريخ السنة ومناهج المحدثين فوائد عديدة،نذكر منها:
1-معرفة المراحل والأدوار التي مرت بها السنة منذ عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى وقتنا هذا.
2-معرفة الدقة المنهجية التي أحاطت بها هذه الأمة رواية أحاديث نبيها - صلى الله عليه وسلم - ، لتأمن عليه الخطأ والتحريف في أثناء تناقله بين الرواة، الأمر الذي يورثنا الثقة بالسنة، ويجعلنا نطمئن إلى حفظ هذا الدين، تصديقا لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [سورة الحجر /9] .
3-إمكان الردِّ على دعاة الغزو الفكري من المستشرقين والمبشرين وكل من قلدهم،وسار في فلكهم ممن غرهم بريق الثقافة الغربية، في زعمهم: أن السنة النبوية لا يوثق بها،ولا يعتمد عليها في التشريع الإسلامي بسبب ما طرأ عليها من التحريف والوضع، وذلك ببيان الجهود التي بذلها المحدثون لحماية وصيانة السنة من هذا التحريف والوضع.
4-الإطلاع على منهج المحدثين في التأليف، والتصنيف، والنقد، ومكانة هذا المنهج بين المناهج الحديثة التي يدلُّ بها دعاة المدنية الحاضرة الآن.
5-الوقوف على دقة المنهجية العلمية التي اتبعها علماء الحديث، في الانتقاء والتصنيف، وأنهم لم يوردوا الأحاديث في كتبهم الأصول كيفما اتفق لأحدهم،بل كانوا يضعون نصب أعينهم هدفا، وقواعد يراعونها، فيما عرف بشروط الأئمة.
6-التمييز بين المناهج المقبولة في الرواية وغير المقبولة، وشروط القبول للمقبولة، ولذلك أهميته في مراتب الرواة في الجرح والتعديل، وفي الأسانيد اتصالا وانقطاعا، وفي الأحاديث قبولا أو ردًا.
7-التعرف على مناهج المحدثين في اختيار الأحاديث وترتيبها بالنسبة إلى بعضها يفيدنا كثيرا في معرفة الناسخ من المنسوخ،والراجح من المرجوح، وطرق الجمع بين الأحاديث المختلفة، وشرح الغريب، وتمييز المدرج من الحديث وذلك بمقارنة الروايات ببعضها، كما يفيد فوائد فقهية كبيرة تؤخذ من تراجم الأبواب.
8-التعرف على أشهر المحدثين المصنفين، وما لهم من فضل في خدمة الحديث النبوي، وسيرتهم التي هي قدوة للمقتدين.
9-دفع التوهم للقدح في بعض الأئمة، وخصوصا البخاري ومسلما شيخي المحدثين رضي الله عنهم، وهذا يطرح بالتالي قضايا يجب على أهل الاختصاص بالحديث أن يعالجوها ويحلوا مشكلاتها، فقد وقع أناس في الشبهة في أحاديث صححها أئمة الحديث، بسبب البعد عن مناهج المحدثين الفنية في إيراد الحديث وسياق أسانيده وشروطهم، فضلا عن ضعف نفوس البعض، وفضلا عن أغراض العداوة للإسلام وللحديث النبوي، التي تستغلُّ جهل المثقَّف المسلم، بل جهد كثيرين من طلبة العلم وحملته بمناهج المحدثين وشروطهم ومقاصدهم الدقيقة في كتبهم.
10-دراسة مناهج المحدثين تساعد على تنمية التفكير العلمي والمنهج لدى الدراس، وتكسب الدراس مهارة في البحث، وتوجد عنده روح الإبداع والرغبة في التطوير وفق أسس علمية مدروسة ومناهج دقيقة [7] .
أهم المصنفات في تاريخ السنة ومناهج المحدثين
لا يوجد في المصنفات القديمة مصنف يجمع بين دفتيه جميع المسائل المتصلة بتاريخ السنة ومناهج المحدثين، وإنما توجد مسائل متفرقة ومتناثرة لهذا العلم عولجت من خلال:
1-حديث المؤلف عن منهجه في كتابه في مقدمة كتابه كما في صحيح مسلم، أو ختامه كما في علل الترمذي الصغير الموجود في آخر سننه، أو في بحث مفرد كما في رسالة أبي داود لأهل مكة.
2-الكتابة عن شروط الأئمة في كتبهم، ككتاب"شروط الأئمة"لابن منده (395 هـ) وكتاب"شروط الأئمة الستة"للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي (507هـ) وكتاب"شروط الأئمة الخمسة"للإمام أبي بكر محمد بن موسى الحازمي (584هـ) .
3-الكتابة عن خصائص بعض الكتب وختمها، ككتاب (خصائص المسند) للحافظ أبي موسى المديني (581 هـ) وكتاب (المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد) للإمام الجزري (832 هـ) وكتاب (عمدة القارئ والسامع في ختم الصحيح الجامع) للإمام السخاوي (902هـ) وكتاب (بغية الراغب المتمنى في ختم النسائي رواية ابن السني) للسخاوي أيضا.
4-مقدمات الشروح التي كتبت على كتب الحديث، مثل: (هدى الساري مقدمة فتح الباري) للحافظ ابن حجر العسقلاني، ومقدمة (فتح الملهم شرح صحيح مسلم) للشيخ شبير أحمد العثماني، ومقدمة (تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي) للمباركفوري، وهي مقدمات فياضة.
5-بحوث في مصادر علوم الحديث، لمناسبة التعريف بكتاب من كتب الحديث المهمة الستة أو غيرها، حين يأتي ذكره في هذا المؤلف، كما في (علوم الحديث) لابن الصلاح، والنكت عليه للحافظ ابن حجر، وكتاب (فتح المغيث) للسخاوي، و (تدريب الراوي) للسيوطي.
ثم جاء العصر الحديث فرأى العلماء مسيس الحاجة إلى التعريف بأئمة الحديث ومناهجهم في مؤلفاتهم تعريفا للعالمَ بعظمة الجهود التي بذلها العلماء الأئمة لحفظ الحديث النبوي، وصيانة السنة، وتمييز صحيحها من سقيمها، فكانت الكتابات المتعددة في هذا المجال، منها ما يتعلق بمناهج المحدثين على وجه العموم، ومنها ما يتعلق بمنهج بعض كتب السنة، ومنها ما يتعلق بمنهج المحدثين في فترة زمنية معينة وهكذا ومن أهم هذه الكتب:
1-الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، للشيخ الكتاني.
2-الحطة في ذكر الصحاح الستة للقنوجي.
3-الحديث والمحدثون، للشيخ محمد أبو زهو.
4-أعلام المحدثين. للشيخ محمد أبي شهبة.
5-البخاري محدثا وفقيها، للدكتور الحسيني هاشم.
6-أئمة الحديث النبوي، للدكتور الحسيني هاشم.
7-جامع الترمذي والموازنة بينه وبين الصحيحين، للدكتور نور الدين عتر.
8-سنن أبي داود السجستاني، للدكتور عبد المنعم نجم.
9-سنن الدارمي، للدكتور محمد عويضة.
10-مصنف عبدالرزاق، للدكتور إسماعيل الدفتار.
11-الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين للدكتور أحمد محرم الشيخ ناجي.
12-مكانة الصحيحين، للدكتور خليل ملا خاطر.
13-السنة قبل التدوين، للدكتور محمد عجاج الخطيب.
14-تدوين الحديث، للعلامة السيد مناظر أحسن الكيلاني.
15-الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه، للدكتور محمد عبد الرحمن طوالبة.
16-توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، أسسه واتجاهاته، للدكتور رفعت فوزي.
17-السنة النبوية وعلومها، دراسة تحليلية للسنة النبوية وعلومها في أعظم عصور التدوين، للدكتور أحمد عمر هاشم.
18-صحائف الصحابة وتدوين السنة النبوية المشرفة، لأحمد عبد الرحمن الصويان.
19-السنة النبوية، مكانتها، عوامل بقائها، تدوينها. للدكتور عبد المهدي عبد الهادي.
20-شفاء الصدور في تاريخ السنة ومناهج المحدثين للدكتور السيد نوح.
ــــــــــــــ
أطوارُ تاريخ السنة
عاشت السنة النبوية منذ صدرت عن صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - إلى أن وصلت إلينا - نحن المتأخرين - عدة عصور مختلفة، وهاك تأريخًا دقيقا لكل عصر من هذه العصور المختلفة وذلك على النحو التالي:
السنة في عصر النبوة:
لقيت السنة النبوية في عصر النبوة عناية تامة،واهتماما كبيرا،بحيث أثمر ذلك أمورًا ثلاثة:
الأول: الصيانة والحفظ: على معنى أن السنة جمعت في عهده - صلى الله عليه وسلم - وحوفظ عليها، بحيث لم يضع منها شيء أبدا.
الثاني: الذيوع والانتشار: على معنى أنها لم تنحصر في مكان بعينه كالمدينة أو مكة مثلا،وإنما انتشرت في سائر أنحاء شبه الجزيرة العربية بل تعدت شبه الجزيرة العربية إلى سائر الأقطار الأخرى التي وصل إليها الإسلام
الثالث: تأسيس المنهج العلمي للرواية.
وقد كانت هناك عوامل ساعدت على تحقيق هذه الأمور،وهذا ما سنتناوله بشيء من التحليل والتفصيل.
أولا:عوامل صيانة السنة وحفظها:
إن عوامل صيانة السنة وحفظها هي بعينها تلك العوامل اللازمة لنجاح أية تجربة علمية، فنجاح أية تجربة علمية يحتاج - كما يقرر التربويون،وعلماء النفس -فضلا عن الإمكانيات المادية: إلى ثمانية عوامل، أربعة منها في المعلم وهي:
1-أن يكون على درجة عالية من الأخلاق بحيث يقترب الطلاب منه فيتمكن من غرس الفضيلة في نفوسهم بفعله وسلوكه، قبل أن يغرسها فيهم بقوله وكلامه.
2-وأن يكون متمكنا من مادته العلمية، بحيث يستطيع أن يعطي الطلاب التصور الصحيح لها، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه.
3-وأن يكون محبًّا لمادته العلمية، مخلصا لها،بحيث يضحي- في سبيلها -بوقته وراحته.
4-وأن يكون ذا منهج صحيح في التربية والتعليم، كيلا يضيع الوقت سدى.
وواحدة منها في المادة العلمية، وهي:
5-أن تكون مثمرة، ومفيدة، ومهمة في حياة الفرد والجماعة.
وثلاثة منها في الطالب، وهي:
6-أن يدرك أهمية، وفائدة، وثمرة ما يتعلمه،ليقبل عليه بهمه ونشاط.
7-وأن تكون هناك مشاركة عامة من جميع أبناء المجتمع - رجالا، ونساء، صغارًا وكبارًا - في طلب العلم.
8-وأن يكون هذا الطالب صاحب منهج صحيح في التلقي، والسماع، ليعي، ويحفظ كل ما يصل إلى سمعه.
هذه العوامل بعينها توافرت للسنة في عصر النبوة،وبالتالي ساعدت على حفظها وصيانتها. [8]
أما العامل الأول: وهو أن يكون المعلم على درجة عالية من الأخلاق، بحيث يقترب الطلاب منه،فيتمكن من غرس الفضيلة في نفوسهم بفعله وسلوكه قبل أن يغرسها فيهم بقوله وكلامه - فقد تمثل بصورة واضحة، وجلية في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وحسبنا في ذلك ثناء الله عليه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [ سورة القلم/ 4 ] . وقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [ سورة آل عمران / 159 ] .
وقد وصفه المحيطون به من أصحابه وغيرهم:بأنه - - صلى الله عليه وسلم - - كان على درجة عالية من الأخلاق.
عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِىَّ يَقُولُ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا وَلاَ صَخَّابًا فِى الأَسْوَاقِ وَلاَ يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.. [9]
وقال سعد بن هشام بن عامر: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِى عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .
قَالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ بَلَى. قَالَتْ فَإِنَّ خُلُقَ نَبِىِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ الْقُرْآنَ.) [10] .
وعن أبي الدرداء قال: سألت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (كان خلقه القرآن، يرضي لرضاه، ويسخط لسخطه) [11] .
وعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِنَفْسِهِ ، إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا . [12] .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - قَالَ لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ « إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقًا » [13] .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلاَةُ وَهْوَ فِى بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِى تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ ثُمَّ يُنْضَحُ ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِنَا وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.. [14]
وهكذا دفعت هذه الأخلاق الكريمة الصحابة أن يقتربوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيحفظوا كل ما يصدر عنه ليقتدوا وليتأسوا به.
وأما العاملُ الثاني: وهو أن يكون المعلم متمكنا من مادته العلمية بحيث يستطيع أن يعطي الطلاب التصور الصحيح لها .
وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه، فقد تمثل بجلاء ووضوح أيضا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حيث كان المرجع الأول للمسلمين في أحكام القرآن، وفي سائر تعاليم الإسلام، وفي تاريخ الأمم الغابرة، بل وفي معارف أهل الكتاب.
وكيف لا يكون كذلك، والله عز وجل هو الذي صنعه على عينه، وهو الذي علمه، فقال: (.... وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) . [ سورة النساء /113 ] .
بل كلُّ ما كان يصدرُ عنه - صلى الله عليه وسلم - في الرضى والغضب حقٌّ ، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأُرِيدُ حِفْظَهُ ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ عَن ذَلِكَ وقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَكَلَّمُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ قَالَ: فَأَمْسَكْت فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلاَّ حَقٌّ. [15]
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَكْتُبُ مِنْكَ مَا أَسْمَعُ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: قُلْتُ: مَا قُلْتَ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِنِّي لاَ أَقُولُ فِي ذَلِكَ كَلِمَةً إِلاَّ الْحَقَّ. [16]
وأما العامل الثالث: وهو أن يكون المعلم محبا لمادته العلمية، مخلصا لها، بحيث يضحي في سبيل نشرها بوقته وراحته:
فقد تمثل فيه - صلى الله عليه وسلم - أيضا على نحو لا نظير له في دنيا الناس ولا مثيل، إذ كان - صلى الله عليه وسلم - محبا لرسالته، متفانيا في سبيل نشرها إلى حد أنه عرضت عليه كل وسائل الإغراء من ملك، وسيادة، ومال، على أن يترك هذه الدعوة فأبى، وإلى حد أن عمه أبا طالب طلب منه تحت ضغوط أهل مكة أن يترك هذا الأمر، وإلا تخلى عن حمايته ونصرته، فلم يستجب لهذا الطلب، وقال قولته المشهورة: ("وَاللَّهِ مَا أَنَا بِأَقْدَرَ أَنْ أَدَعَ مَا بُعِثْتُ بِهِ مِنْ أَنْ يُشْعِلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ". فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ مَا كَذَبَ ابْنُ أَخِي قَطُّ ، ارْجِعُوا رَاشِدِينَ) [17] .
(1) - المعجم الوسيط (1/13) .
(2) - الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص 7.
(3) - انظر: مفتاح السنة للخولي ص 5-6.
(4) - انظر: النهاية في غريب الحديث (4/185) ، مختار الصحاح ص 681.
(5) - انظر: مناهج المحدثين العامة للدكتور نور الدين عتر ص 9-10، مناهج المحدثين العامة والخاصة للدكتور علي بقاعي ص 20.
(6) - انظر: مناهج المحدثين العامة ص 10،40.
(7) - انظر: مناهج المحدثين العامة للدكتور نور الدين عتر ص 22-23، شفاء الصدور للدكتور السيد نوح ص 30، مناهج المحدثين العامة والخاصة للدكتور علي بقاعي ص 20-23.
(8) - شفاء الصدور في تاريخ السنة ومناهج المحدثين ص 159-161.
(9) - سنن الترمذى (2148 ) صحيح
الصخاب: الصخب الصياح والجلبة وشدة الصوت واختلاطه
(10) - مسلم (1773 )
(11) - دلائل النبوة للبيهقي (244 ) ومشكل الآثار للطحاوي (3792 ) حسن
السخط: الغضب أو كراهية الشيء وعدم الرضا به
(12) - صحيح البخارى (3560 )
(13) - صحيح البخارى (3559 )
(14) - صحيح مسلم (1532 )
(15) - مصنف ابن أبي شيبة (235) - (ج 9 / ص 49) (26957) صحيح
(16) - مسند البزار (2470) صحيح
(17) - المعجم الأوسط للطبراني (8791 ) ومجمع الزوائد (9809) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ .... وَأَبُو يَعْلَى بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَرِجَالُ أَبِي يَعْلَى رِجَالُ الصَّحِيحِ .