تعريفُ التدليس:
لغة: المدلَّس اسم مفعول من"التدليس"والتدليس في اللغة: كِتْمانُ عَيْبِ السلعة عن المشتري ، وأصلُ التدليس مشتقٌّ من"الدَّلس"وهو الظلمة أو اختلاط الظلام كما في القاموس [2] ، فكأن المدلَّس لتغطيته على الواقف على الحديث أظلم أمره فصار الحديث مُدلَّسا .
اصطلاحًا: إخفاء عيب في الإسناد. وتحسينٌ لظاهره.
أقسامُ التدليس [3] :
هو ثلاثة أقسامٍ [4] :
القسمُ الأولُ: تدليسُ الإسنادِ:
وهو أنْ يُسقطَ اسمَ شيخِهِ الذي سمعَ منه ، ويرتَقي إلى شيخِ شيخِهِ ، أو مَنْ فوقَهُ ، فَيسندُ ذلك إليه بلفظٍ لا يقتضي الاتصالَ ، بل بلفظٍ مُوهمٍ ، كقولِهِ: عَنْ فلانٍ ، أو أنَّ فلانًا ، أو قالَ فلانٌ ، مُوهِمًا بذلك أنّهُ سمعَ ممَّنْ رواه عنه ، وإنّما يكونُ تدليسًا إذا كانَ المدلِّسُ قد عاصرَ المرويَّ عنه أو لقيَهُ ولم يسمع منه ، أو سمعَ منه ولم يسمعْ منه ذلكَ الحديثَ الذي دلَّسَهُ عنه . وقد فُهِمَ هذا الشرطُ مِنْ قولِهِ: ( يُوْهِمُ اتصَّالًا ) . وإنّما يقعُ الإيهامُ مع المعاصرةِ وقد حدَّهُ أبو الحسنِ ابنُ القطانِ في كتابِهِ"بيان الوهم والإيهام": بأنْ يرويَ عمَّنْ قد سَمِعَ منه ما لم يسمعْ منهُ ، من غيرِ أنْ يذكرَ أنّهُ سمعَهُ منه ، قال: والفرقُ بينَهُ وبين الإرسالِ: هو أنَّ الإرسالَ روايتُهُ عمَّنْ لم يسمعْ منه ، وقد سبقَ ابنَ القطانِ إلى حدِّهِ بذلك الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالقِ البزَّارُ ، ذكرَ ذلك في جزءٍ له"في معرفةِ مَنْ يُتركُ حديثُهُ ، أو يقبلُ".
أما إذا روى عمَّنْ لم يدركْهُ بلفظٍ موهمٍ فإنَّ ذلك ليس بتدليسٍ على الصحيحِ المشهورِ ..
وحكى ابن عبد البرِّ في"التمهيد [5] "عن قومٍ: أنَّهُ تدليسٌ، فجعلوا التدليسَ أنْ يُحَدِّثَ الرجلُ عن الرجلِ بما لم يسمعْهُ منه بلفظٍ لا يقتضي تصريحًا بالسماعِ ، وإلاَّ لكان كذبًا . قالَ ابنُ عبد البرِّ: وعلى هذا فما سَلِمَ من التدليسِ أحدٌ لا مالكٌ ولا غيرُهُ .
فقولُهُ: في البيتِ الثاني: ( وقال ) ، معطوفٌ على قولِهِ: ( بِـ: عَنْ وأنْ ) ، أي: بهذهِ الألفاظِ الثلاثةِ ونحوِها ، ومثله أنْ يُسْقِطَ أداةَ الروايةِ ، ويسمّي الشيخَ فقط فيقولُ: فلانٌ ، وهذا يفعلُهُ أهلُ الحديثِ كثيرًا . قال عليُّ بنُ خَشْرَمٍ [6] : كُنَّا عند ابنِ عُيينةَ ، فقالَ: الزُّهْريُّ ، فقيل له: حدّثَكُمُ الزهريُّ ؟ فسكتَ . ثمَّ قالَ: الزهريُّ ، فقيل له: سمعتَهُ من الزهريِّ ؟ فقال: لا لم أسمعْهُ من الزهريِّ ولا ممَّنْ سمِعَهُ من الزهريِّ ، حدّثني عبدُ الرزاقِ ، عن مَعْمَرٍ ، عن الزهريِّ . وقد مَثَّلَ ابنُ الصَّلاحِ للقسمِ الأولِ بهذا المثالِ . ثم حكى الخلافَ فيمَنْ عُرفَ بهذا ، هل يُردُّ حديثُهُ مطلقًا ، أو ما لم يُصرّحْ فيه بالاتصال ؟! .
واعلمْ أنَّ ابنَ عبد البرِّ قد حكى عن أئمةِ الحديثِ أنَّهُم قالوا: يُقبلُ تدليسُ ابنِ عُيينةَ ؛ لأنَّهُ إذا وقفَ أحالَ على ابنِ جُريجٍ ومعمرٍ ونظائرِهما . وهذا ما رجّحَهُ ابنُ حبّانَ ، وقال: وهذا شيءٌ ليس في الدنيا إلاَّ لسفيانَ بنِ عيينةَ ، فإنّهُ كان يدلِّسُ ، ولا يدلِّسُ إلا عن ثقةٍ متقنٍ ، ولا يكادُ يوجدُ لابنِ عيينةَ خبرٌ دلَّسَ فيهِ ، إلاَّ وقدْ بَيَّنَ سماعَهُ عن ثقةٍ مثل ثقتِهِ ، ثم مَثَّلَ ذلك بمراسيلِ كبار الصحابةِ ، فإنَّهُم لا يرسلونَ إلاّ عن صحابيٍّ . وقد سبقَ ابنَ عبدِ البرِّ إلى ذلك الحافظانِ: أبو بكر البزّارُ ، وأبو الفتحِ الأزديُّ .
فقالَ البزّارُ في الجزءِ المذكورِ: إنَّ مَنْ كان يدلِّسُ عن الثقاتِ كانَ تدليسُهُ عند أهلِ العلمِ مقبولًا . ثم قال: فمَنْ كانت هذهِ صفتُهُ وَجبَ أنْ يكونَ حديثُهُ مقبولًا وإنْ كان مدلسًا . وهكذا رأيتُهُ في كلامِ أبي بكرٍ الصَيْرفيِّ من الشافعية في كتابِ"الدلائلِ"فقالَ: كلُّ مَنْ ظهرَ تدليسُهُ عن غيرِ الثقاتِ لَمْ يُقبلْ خبرُهُ حَتَّى يقولَ: حدّثني ، أو سمعتُ . انتهى .
وقولُهُ: ( واختلفَ في أهْلِه ) أي: في أهلِ هَذَا القسمِ مِنَ التدليسِ ، وهم المعروفونَ بهِ . فقيلَ: يُرَدُّ حديثُهم مطلقًا ، سواءٌ بينوا السماعَ ، أو لَمْ يبينوا ، وأنَّ التدليسَ نفسَهُ جرحٌ ، حكاهُ ابنُ الصلاحِ عن فريقٍ من أهلِ الحديثِ والفقهاءِ ، وَهُوَ المرادُ بقولِهِ: ( فالردُّ مطلقًا ثُقِفْ ) أي: وُجِدَ عن بعضِهم .
والصحيحُ كما قالَ ابنُ الصلاحِ ، التفصيلُ . فإنْ صَرَّحَ بالاتصالِ كقولِهِ: سمعتُ ، وحدّثنا ، وأخبرنا ، فهو مقبولٌ محتجٌّ به . وإنْ أتى بلفظٍ محتملٍ فحكمُه حكمُ المرسلِ . وإلى هذا ذهبَ الأكثرونَ كما حكيتُهُ عنهمْ .
وممَّنْ حكاهُ عن جمهورِ أئمةِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ شيخُنا أبو سعيدٍ العلائيُّ في كتابِ"المراسيل"، وهو قولُ الشافعيِّ ، وعليِّ بنِ المدينيِّ ، ويحيى بنِ معين ، وغيرِهم .
وقد وجدتُ في كلامِ بعضِهم: أنَّ المدلّسَ إذا لم يُصَرِّحْ بالتحديثِ ، لم يُقبلْ اتّفاقًا . وقد حكاهُ البيهقيُّ في"المدخلِ"عن الشافعيِّ ، وسائرِ أهلِ العلمِ بالحديثِ . [7] وحكايةُ الاتفاقِ هنا غلطٌ أو هو محمولٌ على اتفاقِ مَنْ لا يحتجُّ بالمرسلِ .
أمّا الذين يحتجُّونَ بالمرسلِ فيحتجونَ بهِ كما اقتضاهُ كلامُ ابنِ الصلاحِ على أنَّ بعضَ مَنْ يحتجُّ بالمرسلِ لا يقبلُ عنعنةَ المدلسِ . فقد حكى الخطيبُ في"الكفايةِ" [8] :"وقال خلق كثير من أهل العلم خبر المدلس مقبول لأنهم لم يجعلوه بمثابة الكذاب ولم يروا التدليس ناقضا لعدالته وذهب الى ذلك جمهور من قبل المراسيل من الأحاديث وزعموا أن نهاية أمره أن يكون التدليس ليس بمعنى الإرسال."
وفي الصَّحيحينِ وغيرِهما مِنَ الكتبِ الصحيحةِ عدّةُ رواةٍ من المدلّسينَ ، كالأعمشِ ، وهُشيمِ بنِ بَشِيرٍ ، وغيرِهما .
وفتشْ في الصحيحِ تجدْ جماعةً منهم ، كقتادةَ والسفيانَيْنِ ، وعبدِ الرزاقِ ، والوليدِ بنِ مسلمٍ ، وغيرِهِمْ . وقالَ النوويُّ [9] : إنَّ ما في الصحيحينِ وغيرِهما من الكتبِ الصحيحةِ عن المدلسينَ بـ: عَنْ ، محمولٌ عَلَى ثبوتِ سماعِهِ من جهةٍ أخرى . وَقَالَ الحافظُ أبو محمدٍ عبدُ الكريمِ الحلبيُّ في كتاب"القِدْح المُعَلّى": قالَ أكثرُ العلماءِ:إنَّ الَّتِي في الصحيحينِ مُنَزَّلةٌ بمنزلةِ السماعِ.
وذمّهُ شعبةُ فبالغَ في ذمِّهِ ، وإلاّ فَقَدْ ذمّهُ أكثرُ العلماءِ ، وَهُوَ مكروهٌ جدًّا ، فروَى الشافعيُّ عن شعبةَ قالَ: التدليسُ أخو الكذبِ ، وَقَالَ: لأنْ أزني أحبُّ إليَّ مِنْ أن أدلسَ . قَالَ ابنُ الصلاحِ: (( وهذا من شعبةَ إفراطٌ محمولٌ عَلَى المبالغةِ في الزجرِ عَنْهُ والتنفيرِ ) )اهـ.
القسم الثاني:تدليسُ التسوية [10] :
"وصورتُه أنْ يرويَ حديثًا عن شيخٍ ثقةٍ ، وذلكَ الثقةُ يرويه عنْ ضعيفٍ عن ثقةٍ ، فيأتي المدلِّسُ الذي سمعَ الحديثَ من الثقةِ الأولِ ، فيُسقطُ الذي في السندِ ، ويجعلُ الحديثَ عن شيخِهِ الثقةِ عن الثقةِ الثاني ، بلفظٍ محتملٍ ، فيستوي الإسنادُ ، كلُّهُ ثقاتٌ . وهذا شرُّ أقسامِ التدليسِ ؛ لأنَّ الثقةَ الأولَ قدْ لا يكونُ معروفًا بالتدليسِ ، ويجدُهُ الواقفُ على السندِ كذلكَ بعدَ التسويةِ قد رواهُ عن ثقةٍ آخرَ فيحْكَمُ له بالصحةِ ، وفي هذا غرورٌ شديدٌ . وممَّنْ نُقِلَ عنه أنَّهُ كان يفعلُ ذلكَ: بقيّةُ بنُ الوليدِ ، والوليدُ بنُ مسلمٍ ."
أما بقيةُ ، فقال ابنُ أبي حاتمٍ في كتاب"العلل" [11] : سمعتُ أبي ، وذكرَ الحديثَ الذي رواهُ إسحاقُ بنُ راهويهِ، عنْ بقيةَ [12] ، حدّثني أبو وَهْبٍ الأسديُّ ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عُمَرَ حديث: (( لا تحمدوا إسلامَ المرءِ حتى تعرفوا عقدةَ رأيِهِ ) ). فقال أبي: هذا الحديثُ له أمرٌ قَلَّ مَنْ يفهمُهُ، رَوَى هذا الحديثَ عبيدُ الله بنُ عمرٍو ، عن إسحاقَ بنِ أبي فروةَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - . وعبيدُ الله بنُ عمرٍو كنيته أبو وَهْبٍ وهو أسديٌ . فكناهُ بقيةُ ونسبَهُ إلى بني أسدٍ لكي لا يُفطَنَ له . حتى إذا تُرِكَ إسحاقُ بنُ أبي فروةَ من الوسط لا يُهتدى له . - قال -: وكان بقيّةُ مِن أفعلِ الناسِ لهذا .
وأمَّا الوليدُ بنُ مسلمٍ [13] فقال أبو مُسْهِرٍ: كانَ الوليدُ بنُ مسلمٍ يحدّثُ بأحاديثِ الأوزاعيِّ عن الكذابينَ ، ثم يدلّسُها عنهم . وقال صالحٌ جَزَرَةُ: سمعتُ الهيثمَ بنَ خارجةَ يقولُ: قلتُ للوليدِ بنِ مسلمٍ: قد أفسدتَ حديثَ الأوزاعيِّ . قال: كيف ؟ قلتُ: تَروي عن الأوزاعيِّ ، عن نافعٍ ، وعن الأوزاعيِّ ، عن الزهريِّ ، وعن الأوزاعيِّ، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍوغيرُكَ يُدْخلُ بَيْنَ الأوزاعيِّ وبينَ نافعٍ،عبدَ اللهِ بنَ عامرٍ الأسلميَّ وبينَهُ وبينَ الزهريِّ إبراهيمَ بنَ مُرَّةَ وقُرَّةَ ، قَالَ: أُنَبِّلُ الأوزاعيَّ أنْ يروِيَ عن مثلِ هؤلاءِ . قلتُ: فإذا رَوَى عن هؤلاءِ - وهم ضُعفاءُ - أحاديثَ مناكيرَ فاسقطتَهُمْ أنتَ وصَّيرتَها من روايةِ الأوزاعيِّ عن الثِّقاتِ ؛ ضُعِّفَ الأوزاعيُّ، فلم يلتفِتْ إلى قولي . وذَكَرَ الدارقطنيُّ عن الوليدِ أيضًا هذا النوعَ مِنَ التدليسِ . قال الخطيبُ:وكانَ الأعمشُ ، والثوريُّ ، وبقيّةُ ، يفعلونَ مثلَ هذَا . وقد سَمَّاهُ ابنُ القطّانِ وغيرُ واحدٍ تدليسَ التسويةِ . قال العلائيُّ في"المراسيلِ": (( وبالجملةِ فهذا النوعُ أفحشُ أنواعِ التدليسِ مطلقًا وشرُّها ) ).
وقال السيوطي [14] :
"وقال شيخ الإسلام [15] : لا شكَّ أنَّه جرح, وإن وُصِفَ به الثَّوري والأعْمش, فلا اعْتذار أنَّهما لا يَفْعلانه إلاَّ في حقِّ من يكون ثقة عندهما, ضعيفًا عند غيرهما."
قال: ثمَّ ابن القَطَّان إنَّما سَمَّاه تسوية, بدون لَفْظ التَّدليس, فيَقُول: سوَّاه فُلان, وهذه تسوية, والقُدماء يسمُّونه تجويدًا, فيقولون: جوَّده فُلان, أي ذكر من فيه من الأجواد, وحذف غيرهم.
قال: والتَّحقيق أن يُقَال: مَتَى قيلَ: تدليس التسوية, فلا بد أن يَكُون كل من الثِّقات الَّذين حذفت بينهم الوَسَائط في ذلك الإسْنَاد, قد اجتمعَ الشَّخص منهم بشيخِ شيخه في ذلكَ الحديث, وإن قيل: تسوية بدون لفظ التدليس لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه, كمَا فعل مالك, فإنَّه لم يقع في التَّدليس أصْلًا, ووقعَ في هذا فإنَّه يروي عن ثور عن ابن عبَّاس, وثور لم يلقه, وإنَّما روى عن عكرمة عنهُ فاسقط عِكْرمة, لأنَّه غير حُجَّة عندهُ, وعلى هذا يُفارق المُنقطع بأن شرط السَّاقط هُنَا أن يَكُون ضَعيفًا, فهو مُنقطع خاص.
ثمَّ زاد شيخ الإسلام تدليس العطف, ومثَّله بما فعلَ هُشَيم, فيما نقلَ الحاكم والخَطِيب: أنَّ أصْحَابه قالُوا له: نُريد أن تُحدِّثنا اليوم شيئًا لا يَكُون فيه تدليس, فقال: خذوا, ثمَّ أملى عليهم مَجْلسًا يقول في كلِّ حديث منه: حدَّثنا فُلان وفلان, ثمَّ يَسُوق السَّند والمتن, فلمَّا فرغ قال: هل دلستُ لكم اليوم شيئا؟ قالوا: لا, قال: بلى, كل ما قلت فيه: وفلان فإنِّي لم أسمعهُ منه.
قال شيخ الإسلام [16] : وهذه الأقسام كلها يشملها تدليس الإسْنَاد, فاللائق ما فعله ابن الصَّلاح من تقسيمه قسمين فقط.
قلتُ: ومن أقْسَامه أيضًا: ما ذكر محمَّد بن سعد, عن أبي حفص عُمر بن علي المُقدمي, أنَّه كان يُدلِّس تدليسًا شديدًا يقول: سمعتُ, وحدَّثنا, ثمَّ يسكت, ثمَّ يقول: هِشَام بن عُروة, الأعمش.
وقال أحمد بن حنبل: كان يقول: حَجَّاج سمعتهُ, يعني حديثا آخر.
وقال جَمَاعة: كان أبو إسحاق يقول: ليسَ أبو عُبيدة ذكره, ولكن عبد الرَّحمن بن الأسود عن أبيه, فقوله عبد الرَّحمن تدليس, يُوهم أنَّه سمعه منه.
وقسَّمهُ الحاكم [17] إلى سِتَّة أقْسَام:
الأوَّل: قومٌ لم يُميِّزُوا بين ما سمعوهُ وما لم يسمعوهُ.
الثَّاني: قومٌ يُدلِّسُون, فإذا وقعَ لهم من ينقر عنهم, ويلح في سماعاتهم ذكروا له, ومثَّلهُ بما حكى ابن خشرم عن ابن عُيينة.
الثَّالث: قومٌ دلَّسوا عن مَجْهولين, لا يُدرى من هُم, ومثَّله بما رُوي عن ابن المَدِيني قال: حدثني حُسين الأشْقر, حدَّثنا شُعيب بن عبد الله, عن أبي عبد الله, عن نوف, قال: بتُّ عند علي فذكر كلامًا, قال ابن المَدِيني: فقلتُ لحسين مِمَّن سمعتَ هذا؟ فقال: حدَّثنيه شُعيب عن أبي عبد الله, عن نوف, فقلتُ لشعيب: من حدَّثك بهذا؟ فقال أبو عبد الله الجَصَّاص, فقلت: عمَّن؟ قال: عن حمَّاد القَصَّار, فلقيتُ حمَّادًا فقلتُ له: من حدَّثك بهذا؟ قال: بلغني عن فَرْقد السَّبخي عن نوف.
فإذا هو قد دلَّس عن ثلاثة, وأبو عبد الله مجهول, وحمَّاد لا يدرى من هو, وبلغه عن فرقد, وفرقد لم يُدرك نوفًا.
الرَّابع: قومٌ دلَّسُوا عن قوم سمعُوا منهم الكثير, وربَّما فاتهم الشَّيء عنهم فيُدلِّسُونه.
الخامس: قومٌ رَوُوا عن شُيوخ لم يروهم, فيَقُولون: قال فُلان, فحمل ذلكَ عنهم على السَّماع, وليسَ عندهم سماع.
قال البَلْقيني: وهذه الخَمْسة كلها داخلة تحت تَدْليس الإسْناد, وذكر السَّادس, وهو تدليس الشُّيوخ الآتي.""
القسم الثالث- تدليسُ الشيوخ [18] :
"وهو أنْ يصفَ المدلّسُ شيخَهُ الذي سمعَ ذلك الحديث منه بوصفٍ لا يُعْرَفُ به من اسمٍ ، أو كنيةٍ ، أو نسبةٍ إلى قبيلةٍ ، أو بلدٍ ، أو صنعةٍ أو نحوِ ذلك ، كي يُوْعِّرِ الطريقَ إلى معرفةِ السامعِ له ، كقول أبي بكرِ بن مجاهدٍ أحدِ أئمةِ القُرَّاْءِ: حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي عبدِ اللهِ ، يريدُ به: عبدَ اللهِ بنَ أبي داود السجستانيَّ ، ونحوَ ذلك . قال ابنُ الصلاحِ: وفيه تضييعٌ للمَرْوِيِّ عنه . قلتُ: وللمَرْوِيِّ أيضًا بأنْ لا يتنبهَ له فيصيرُ بعضُ رواتِهِ مجهولًا ."
ويختلفُ الحالُ في كراهةِ هذا القسمِ باختلافِ المقْصَدِالحاملِ على ذلكَ.فشرُّ ذلكَ: إذا كانَ الحاملُ على ذلكَ كونَ المَرْوِيِّ عنهُ ضعيفًا ، فيدلّسُهُ حتى لا تظهرَ روايتُهُ عن الضعفاءِ.وقد يكونُ الحاملُ على ذلكَ كونَ المَرْوِيِّ عنه صغيرًا في السِّنِّ،أو تأخّرتْ وفاتُهُ، وشاركَهُ فيه مَنْ هو دونَهُ. وقد يكونُ الحاملُ على ذلك إيهامَ كثرةِ الشيوخِ بأنْ يرويَ عن الشيخِ الواحدِ في مواضعَ ، يُعَرِّفُهُ في موضِعٍ بصفةٍ ، وفي موضعٍ آخرَ بصفةٍ أخرى يُوهِمُ أنّهُ غيرُهُ . وممَّنْ يفعلُ ذلك كثيرًا الخطيبُ ، فقد كانَ لهِجًَا به في تصانيفهِ.
ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ حكمَ مَنْ عُرِفَ بهذا القسمِ الثاني من التدليسِ . وقد جزمَ ابنُ الصَّبَّاغُ في"العُدَّةِ"بأنَّ مَنْ فعلَ ذلكَ ؛ لكونِ مَنْ روى عنهُ غيرَ ثقةٍ عندَ الناسِ ، وإنّما أرادَ أنْ يُغيِّرَ اسمَهُ ليقبلوا خبرَهُ ، يجبُ أنْ لا يُقبلَ خَبرُهُ ، وإنْ كانَ هو يعتقدُ منهُ الثقةَ فقدْ غَلَطَ في ذلكَ ؛ لجوازِ أنْ يَعْرِفَ غيرُهُ مِنْ جِرْحهِ ما لا يَعرفُهُ هو ، فإنْ كانَ لصِغَرِ سنِّهِ، فيكونُ ذلكَ روايةً عن مجهولٍ،لا يجبُ قبولُ خَبَرِهِ حتَّى يعرفَ مَنْ رَوَى عنهُ.""
"وقال الآمدي: إن فعلهُ لضعفه, فجرح, أو لضعف نسبه, أو لاختلافهم في قَبُول رِوَايته فلا."
وقال ابن السَّمْعَاني [19] : إن كان بحيث لو سُئل عنه لم يُبينهُ فجرح, وإلاَّ فلا.
ومنع بعضهم إطلاق اسم التدليس على هذا, روى البيهقي في «المدخل» عن محمد بن رافع قال: قلتُ لأبي عَامر كان الثَّوري يُدلِّس؟ قال: لا. قلتُ: أليسَ إذا دخل كورة يعلم أنَّ أهلها لا يكتبون حديث رجل, قال: حدَّثني رَجُل, وإذا عُرِفَ الرَّجُل بالاسم كَنَّاه, وإذا عُرف بالكُنية سَمَّاهُ؟ قال: هذا تَزْيين, ليسَ بتدليس.""
من أقْسَام التَّدليس ما هو عكس هذا, وهو إعْطَاء شخص اسمٌ آخر مشهور تَشْبيهًا, ذكرهُ ابن السُّبكي في «جمع الجَوَامع» [20] قال: كقولنا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ, يعني الذَّهبي, تشبيها بالبيهقي حيث يقول ذلك, يعني به الحاكم, وكذا إبهام اللُّقَى والرِّحلة, كحدَّثنا من وراء النَّهر, يُوهم أنَّه جَيْحون, ويُريد نهر عيسى ببغداد, أو الجيزة بمصر, وليسَ ذلك بجرح قطعًا, لأنَّ ذلك من المَعَاريض, لا من الكذب.
قاله الآمدي في «الأحكام» [21] وابن دقيق العيد في «الاقتراح» [22] .اهـ
أمكنة التدليس وعدمه:
قال الحاكم [23] :"أهل الحجاز, والحرمين, ومِصْر, والعَوَالي, وخُراسان, والجبال وأصبهان, وبلاد فارس, وخوزستان, وما وراء النَّهر, لا نعلم أحدا من أئمتهم دلَّسوا."
قال: وأكثر المُحدِّثين تدليسًا: أهل الكُوفة, ونفر يَسيرٌ من أهل البَصْرة.
قال: وأمَّا أهل بغداد فلم يُذكر عن أحد من أهلها التدليس, إلاَّ أبا بكر محمَّد بن محمَّد بن سُليمان الباغندي الواسطي, فهو أوَّل من أحدثَ التدليس بها, ومن دلَّس من أهلها إنَّما تَبِعهُ في ذلك"."
وقد أفردَ الخطيب كِتَابًا في أسماء المُدلِّسين, ثمَّ ابن عَسَاكر.""
ـــــــــــــــ
(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 13) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 7) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 111) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 20) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 14) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 416) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 158) والموقظة في علم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 8) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 173) والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 15) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 3 / ص 201)
(2) - القاموس جـ2 ـ ص 224 .
(3) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 163)
(4) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 77)
(5) - التمهيد 1/15
(6) - الكفاية ص 512
(7) - وفي المجموع شرح المهذب - (ج 4 / ص 546) : وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا قَالَ: عَنْ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ
وفي المجموع شرح المهذب أيضًا - (ج 7 / ص 159) : وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا قَالَ: ( عَنْ ) لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ .
(8) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 350)
(9) - التقريب للنووي مع تدريب الرأوي ص144 وتوضيح الأفكار - (ج 1 / ص 354)
(10) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 172) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 164) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 422) و شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 78)
(11) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (1162) وعلل الحديث (1957)
(12) - بقية بن الوليد أبو يحمد الكلاعي الميتمي الحافظ عن بحير ومحمد بن زياد الألهاني وأمم وعنه بن جريج وشعبة وهما من شيوخه وكثير بن عبيد وأحمد بن الفرج الحجازي وخلق وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات وقال النسائي إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة مات 197 م 4 .الكاشف [ ج 1 - ص 273 ] (619 )
وقال ابن عدي في آخر ترجمته:"ولبقية حديث صالح غير ما ذكرناه ففي بعض رواياته يخالف الثقات وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت ،وإذا روى عن غيرهم خلط كإسماعيل بن عياش إذا روى عن الشامين فهو ثبت ،وإذا روى عن أهل الحجاز والعراق خالف الثقات في روايته عنهم، قال الشيخ قد تقدم ذكري في ذلك أن صفته في روايات الحديث كإسماعيل بن عياش إذا روى عن الشاميين فهو ثبت وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه، وإذا روى عن غير الشاميين فربما وهم عليهم وربما كان الوهم من الراوي عنه وبقية صاحب حديث ومن علامة صاحب الحديث أنه يروي عن الكبار والصغار ويروي عنه الكبار من الناس وهذا صورة بقية .الكامل في الضعفاء [ ج 2 - ص 80 ] "
(13) - الوليد بن مسلم الحافظ أبو العباس عالم أهل الشام عن يحيى الذماري وثور بن يزيد وعنه أحمد وإسحاق ودحيم قال بن المديني ما رأيت من الشاميين مثله وقال بن جوصا كنا نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد صلح للقضاء وهي سبعون كتابا قلت كان مدلسا فيتقى من حديثه ما قال فيه عن مات 195 ع.الكاشف [ ج 2 - ص 355 ] (6094 )
(14) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 164)
(15) - النكت 2/617-632
(16) - النكت 2/622
(17) - معرفة علوم الحديث ص 103
(18) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 77)
(19) - النكت 2/632
(20) - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 4 / ص 325و328) و غاية الوصول في شرح لب الأصول - (ج 1 / ص 98)
(22) - ص 212-213
(23) - معرفة علوم الحديث ص 111