1-تعريفها:
أ) لغة: هي مصدر من"بَدَعَ"بمعنى"أَنْشَأَ"كابتداع [2] .
والمبتدع اسم فاعل من الابتداع والابتداع في أصل اللغة الاختراع على غير مثل . ومنه (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة/117] ) أي مبدعهما ومنشئهما على غير مثال سابق.
ب) اصطلاحًا: البدعةُ الحدث في الدين بعد الإكمال [3] . وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: « أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ » [4] .
وعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ » [5] .
وبالنظر في معنى هذا الحديث فإن الردَّ لا يتناول كل أمر محدث وإنما مختص بما ليس في دين الله تبارك وتعالى .
ولذا يقول ابن الأثير الجزري [6] :"البِدْعةُ بدْعتان بدعةُ هُدى وبدْعة ضلال فما كان في خلاف ما أَمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو في حَيِزّ الذّمِّ والإِنكار، وما كان واقعًا تحت عُموم ما ندَب اللهُ إِليه وحَضّ عليه أَو رسولُه فهو في حيِّز المدح ، وما لم يكن له مِثال موجود كنَوْع من الجُود والسّخاء وفِعْل المعروف فهو من الأَفعال المحمودة، ولا يجوز أَن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به؛ لأَن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل له في ذلك ثوابًا فقال: « مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ » [7] . وذلك إِذا كان في خلاف ما أَمر الله به ورسوله قال ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه:"نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ" [8] لمّا كانت من أَفعال الخير وداخلة في حيّز المدح سَمّاها بدعة ومدَحَها ، لأَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَسُنَّها لهم ،وإِنما صلاَّها لَيالِيَ ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ولا كانت في زمن أَبي بكر وإِنما عمر رضي الله عنهما جمع الناسَ عليها وندَبهم إِليها، فبهذا سماها بدعة وهي على الحقيقة سنَّة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ" [9] . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: « اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ » [10] . وعلى هذا التأْويل يُحمل الحديث الآخَر كلُّ مُحْدَثةٍ بدعة إِنما يريد ما خالَف أُصولَ الشريعة ولم يوافق السنة وأَكثر ما يستعمل المُبْتَدِعُ عُرْفًا في الذمِّ اهـ"
هذا بالنسبة إلى عموم اللغة أمَّا المحدِّثون والفقهاء فإنهم حينما يقولون فلان مبتدع فإنما يراد به الذم وما خالف ما عليه الشريعة .
2-أنواعها:
البدعةُ نوعان:
القسم الأول: بدع يكفر بها صاحبها:
، ولا بد أن يكون ذلك التكفير متفقًا عليه في قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الرفض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة [11] فهؤلاء لا خلاف بين العلماء انهم لا تجوز الرواية عنهم تحت أي ظرف من الظرف لأن الإسلام شرط في ثبوت العدالة .
أما إذا لم يكن التكفير متفقًا عليه فلا إجماع على رد روايته يقول ابن حجر:"والتحقيق: أنه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكفَّرٍ ببدعَتِه ؛ لأَنَّ كلَّ طائفةٍ تدَّعي أَنَّ مخالِفيها مبتَدِعةٌ ، وقد تُبالِغُ فتُكفِّرُ مخالِفها ، فلو أُخِذَ ذلك على الإِطلاقِ ؛ لاسْتَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوائفِ ، فالمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذي تُرَدُّ روايتُهُ مَنْ أَنْكَرَ أَمرًا مُتواتِرًا مِنَ الشَّرعِ ، معلومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ ، وكذا مَن اعتقدَ عكسَهُ" [12]
والمقصود من هذا أن يكون المكفِّر قام عليه الدليل ليس بمجرد التعصب والتقليد ،بل قام الدليل على كفره بأن يكون أتى شيئًا يوجب تكفيره بالأدلة الشرعية، أما كونه يكفر لهواه أو لمخالفة نحلته فلا ،المهم أن تكون البدعة المكفِّرة من جهة الدليل . [13]
القسم الثاني: بدعٌ يفسق بها صاحبها:
كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو ، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنَّة خلافًا ظاهرًا لكنه مستندٌ إلى تأويل ظاهره سائع. [14]
وفي قبول رواية من كان على هذه الشاكلة، إن كان معروفًا في التحرز من الكذب مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة موصوفا بالديانة والعبادة .
3-حكمُ رواية المبتدع:
لقد تضاربت فيه مذاهب أهل الحديث ، بين قبول حديث الموصوف به وردِّه ، أو قبوله في حال وردِّه في حال .
وإنما دخل الإشكال على من ذهب إلى القدح بذلك أن البدعة خللٌ في الدين ، وذلك موجب للقدح في العدالة .
قال سلام بن أبي مطيع: بلغ أيوب ( يعني السختياني ) أني آتي عمرًا ( يعني ابن عبيد ) [15] ، فَأَقْبَلَ عَلَىَّ يَوْمًا فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لاَ تَأْمَنُهُ عَلَى دِينِهِ كَيْفَ تَأْمَنُهُ عَلَى الْحَدِيثِ" [16] ."
وقال ابن حبان:""وأما المنتحلون المذاهب من الرواة، مثل الإرجاء والترفض وما أشبههما، فإنا نحتجُّ بأخبارهم إذا كانوا ثقات، على الشرط الذي وصفناه، ونَكِلُ مذاهبهم وما تقلدوه فيما بينهم وبين خالقهم إلى الله -جل وعلا- إلا أن يكونوا دعاة إلى ما انتحلوا، فإن الداعي إلى مذهبه، والذابَّ عنه حتى يصير إمامًا فيه -وإن كان ثقة- ثم روينا عنه، جعلنا للاتباع لمذهبه طريقًا، وسوَّغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله. فالاحتياطُ ترك رواية الأئمة الدعاة منهم، والاحتجاج بالثقات الرواة منهم، على حسب ما وصفنا، ولو عمدنا إلى ترك حديث الأعمش، وأبي إسحاق، وعبد الملك بن عمير، وأضرابهم، لِمَا انتحلوا، وإلى قتادة، وسعيد بن أبي عروبة، وابن أبي ذئب وأشباههم، لِمَا تقلَّدوا، وإلى عمر بن ذر، وإبراهيم التيمي، ومسعر بن كدام، وأقرانهم، لِمَا اختاروا، فتركنا حديثهم لمذاهبهم، لكان ذلك ذريعة إلى ترك السُّنَن كلها، حتى لا يحصل في أيدينا من السُّنَن إلا الشيء اليسير" [17] ."
مذاهب أهل العلم في ردِّ حديث أهل البدع أو قبوله:
هي محصورة في أربعة مذاهب:
المذهب الأول: ترك حديثهم مطلقًا ، أي: البدعة جِرحة مسقطٌةٌ للعدالة .
ذهب طائفة من العلماء منهم محمد بن سيرين ، والإمام مالك وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي إلى رد رواية المبتدع مطلقا ،وقد قال عبد الرحمن:"ثَلَاثَةٌ لَا يُحْمَلُ عَنْهُمُ , الرَّجُلُ الْمُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ , وَالرَّجُلُ كَثِيرُ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ , وَرَجُلٌ صَاحِبُ هَوًى يَدْعُو إِلَى بِدْعَةٍ" [18]
وعن محمد بن سيرين قال:"كَانَ فِى الزَّمَنِ الأَوَّلِ لاَ يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ سَأَلُوا عَنِ الإِسْنَادِ لِكَىْ يَأْخُذُوا حَدِيثَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَدَعُوا حَدِيثَ أَهْلِ الْبِدَعِ." [19]
وعن مالك بن أنس ، قال:"لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم من العلم شيئًا ، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم ، وكانوا أصنافًا: فمنهم من كان كذابًا في غير علمه ، تركته لكذبه ، ومنهم من كان جاهلًا بما عنده ، فلم يكن عندي موضعًا للأخذ عنه لجهله ، ومنهم من كان يدين برأي سوء" [20] .
وحجَّةُ هؤلاء تكمن فيما يلي:-
أولًا: ما أخرجه الخطيب بسنده عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ اللَّخْمِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ثَلاثَةً: إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَلْتَمِسَ الْعِلْمَ عِنْدَ الأَصَاغِرِ.. [21]
والأصاغر في الحديث هم أهل البدع كما نصَّ على ذلك ابن المبارك فيما أخرجه عنه الخطيب البغدادي عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ ، قَالَ: سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيَّ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى ،"وَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ:"أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ"قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَسَأَلْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ: مَنِ الْأَصَاغِرُ ؟ قَالَ:"أَهْلُ الْبِدَعِ" [22] ."
ثانيًا: إن المبتدع فاسقٌ ببدعته ، وكما استوى في الكفر المتأول وغير المتأول ، يستوي في الفسق المتأول وغير المتأول [23] .
ثالثًا: إن البدعة والهوى لا يؤمن معهما الكذب ، فعن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ لَهِيعَةَ , يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ رَجَعَ عَنْ بِدْعَتِهِ , فَجَعَلَ يَقُولُ:"انْظُرُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ , فَإِنَّا كُنَّا إِذَا رَأَيْنَا رَأْيًا جَعَلْنَاهُ حَدِيثًا" [24]
وعَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا , مِنَ الْخَوَارِجِ وَهُوَ يَقُولُ:"إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ دِينٌ , فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ , فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوِينَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا" [25]
وعن حماد بن سلمة حَدَّثَنِي شَيْخٌ ، لَهُمْ - يَعْنِي الرَّافِضَةَ - تَابَ قَالَ:"كُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا وَاسْتَحْسَنَّا شَيْئًا جَعَلْنَاهُ حَدِيثًا" [26] .
رابعا: إن في عدم قبول روايته إخمادًا لبدعته وفي قبولها ترويج لأمره وتنويه بذكره . ولذا فإن كثيرًا من العلماء قال: إن كان الحديث يروى من طريق أخرى غير طريق صاحب البدعة فإنه يضرَبُ الصفح عن روايته إخمادا لبدعته وإماتة لشأنه [27] .
المذهب الثاني: التفريقُ بحسب شدة البدعة وخفتها في نفسها ، وبحسب الغلو فيها أو عدمه بالنسبة إلى صاحبها .
قال الإمام أحمد بن حنبل:"احتملوا المرجئة في الحديث" [28] .
وقال إبراهيم الحربي: حدثنا أحمد يومًا عن أبي قطن ( يعني عمرو بن الهيثم ) ، فقال له رجل: إن هذا بعدما رجع من عندكم إلى البصرة تكلم بالقدر وناظر عليه ، فقال أحمد:"نحن نحدِّثُ عن القدرية [29] ، لو فتشت أهل البصرة وجدت ثلثهم قدرية" [30] .
وأحمد شدد في حديث الجهمية [31] لغلظ بدعتهم ، وتوسط في القدرية ، فقبل من لم يكن داعية ، وسهل في المرجئة [32] ، قال ابن رجب الحنبلي:"فيخرج من هذا: أن البدع الغليظة كالتجهم يردُّ بها الرواية مطلقًا ، والمتوسطة كالقدر إنما يردُّ رواية الداعي إليها ، والخفيفة كالإرجاء ، هل يقبل معها الرواية مطلقًا ، أو يردُّ عن الداعية ؟ على روايتين" [33] .
وقال مسلم بن الحجاج:"اعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُتَّهَمِينَ أَنْ لاَ يَرْوِىَ مِنْهَا إِلاَّ مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ. وَالسِّتَارَةَ فِى نَاقِلِيهِ. وَأَنْ يَتَّقِىَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ" [34] .
المذهب الثالث: التفريقُ بين الداعي إلى بدعته ، وغير الداعي ، فيردُّ الأول ، ويقبلُ الثاني .
قال الحاكم:""يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي صَاحِبِ الْحَدِيثِ غَيْرُ خَصْلَةٍ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ ثَبْتَ الْأَخْذِ ، وَيَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهُ , وَيُبْصِرُ الرِّجَالَ ، ثُمَّ يَتَعَهَّدُ ذَلِكَ"قَالَ الْحَاكِمُ: وَمِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ طَالِبُ الْحَدِيثِ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَنْ يَبْحَثَ عَنْ أَحْوَالِ الْمُحَدِّثِ أَوَّلًا ، هَلْ يَعْتَقِدُ الشَّرِيعَةَ فِي التَّوْحِيدِ وَهَلْ يُلْزِمُ نَفْسَهُ طَاعَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيْهِمْ ، وَوَضَعُوا مِنَ الشَّرْعِ ، ثُمَّ يَتَأَمَّلُ حَالَهُ ، هَلْ هُوَ صَاحِبُ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ ، فَإِنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْبِدْعَةِ لَا يُكْتَبُ عَنْهُ وَلَا كَرَامَةَ , لِإِجْمَاعِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَرْكِهِ ثُمَّ يَتَعَرَّفُ سِنَّهُ هَلْ يَحْتَمِلُ سَمَاعَهُ مِنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ يُحَدِّثُ عَنْهُمْ ، فَقَدْ رَأَيْنَا مِنَ الْمَشَايِخِ جَمَاعَةً أَخْبَرُونَا بِسِنٍّ يَقْصُرُ عَنْ لِقَاءِ شُيُوخٍ ، حَدَّثُوا عَنْهُمْ ، ثُمَّ يَتَأَمَّلُ أُصُولَهُ أَعَتِيقَةٌ هِيَ أَمْ جَدِيدَةٌ ؟ فَقَدْ نَبَغَ فِي عَصْرِنَا هَذَا جَمَاعَةٌ يَشْتَرُونَ الْكُتُبَ فَيُحَدِّثُونَ بِهَا ، وَجَمَاعَةٌ يَكْتُبُونَ سَمَاعَاتِهِمْ بِخُطُوطِهِمْ فِي كُتُبٍ عَتِيقَةٍ فِي الْوَقْتِ فَيُحَدِّثُونَ بِهَا ، فَمَنْ يَسْمَعُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلَ الصَّنْعَةِ فَمَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ ، فَأَمَّا أَهْلُ الصَّنْعَةِ إِذَا سَمِعُوا مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ بَعْدَ الْخِبْرَةِ ، فَفِيهِ جَرْحُهُمْ وَإِسْقَاطُهُمْ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ بِالصَّنْعَةِ لَا يُعْذَرُ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ عَمَّا لَا يَعْرِفُهُ وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِين" [35] .
هذا منقول عن عبد الله بن المبارك ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين [36] .
(1) - وهي السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي . انظر قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 154) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 26) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 22) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 521) والغاية في شرح الهداية في علم الرواية - (ج 1 / ص 62) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 4 / ص 42) وجرح الرواة وتعديلهم - (ج 7 / ص 43) فما بعد
(2) - تاج العروس - (ج 1 / ص 5092) ولسان العرب - (ج 8 / ص 6)
(3) - -مختار الصحاح/ مادة (ب ر ع) .
(4) - صحيح مسلم (2042 )
قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْبِدْعَة خَمْسَة أَقْسَام: وَاجِبَة ، وَمَنْدُوبَة وَمُحَرَّمَة ، وَمَكْرُوهَة ، وَمُبَاحَة . فَمِنْ الْوَاجِبَة: نَظْم أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمِينَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمَلَاحِدَة وَالْمُبْتَدِعِينَ وَشِبْه ذَلِكَ . وَمِنْ الْمَنْدُوبَة: تَصْنِيف كُتُب الْعِلْم ، وَبِنَاء الْمَدَارِس وَالرُّبُط وَغَيْر ذَلِكَ . وَمِنْ الْمُبَاح: التَّبَسُّط فِي أَلْوَان الْأَطْعِمَة وَغَيْر ذَلِكَ . وَالْحَرَام وَالْمَكْرُوه ظَاهِرَانِ . وَقَدْ أَوْضَحْت الْمَسْأَلَة بِأَدِلَّتِهَا الْمَبْسُوطَة فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات ، فَإِذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْته عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيث مِنْ الْعَامّ الْمَخْصُوص . وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة ، وَيُؤَيِّد مَا قُلْنَاهُ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي التَّرَاوِيح: نِعْمَتْ الْبِدْعَة ، وَلَا يَمْنَع مِنْ كَوْن الْحَدِيث عَامًّا مَخْصُوصًا . شرح النووي على مسلم - (ج 3 / ص 247)
(5) - صحيح البخارى (2697 ) ومسلم (4589 )
وَهَذَا الْحَدِيث مَعْدُود مِنْ أُصُول الْإِسْلَام وَقَاعِدَة مِنْ قَوَاعِده ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ اِخْتَرَعَ فِي الدِّين مَا لَا يَشْهَد لَهُ أَصْل مِنْ أُصُوله فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ .
قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَنَى بِحِفْظِهِ وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال الْمُنْكَرَات وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ كَذَلِكَ .فتح الباري لابن حجر - (ج 8 / ص 229)
(6) - لسان العرب - (ج 8 / ص 6) والنهاية في غريب الأثر - (ج 1 / ص 267)
(7) - صحيح مسلم (6975 )
(8) - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِى رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّى الرَّجُلُ فَيُصَلِّى بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ إِنِّى لأَرَانِى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ.فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ - قَالَ - ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَالَّتِى تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِى تَقُومُونَ. يَعْنِى آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. موطأ مالك (249 ) وهو صحيح
(9) - سنن أبى داود (4609 ) مطولا وهو صحيح
(10) - سنن الترمذى (4023 ) وهو حديث حسن لغيره
(11) - مقدمة فتح الباري 385 .
(12) - (انظر نخبة الفكر ذيل سبل السلام 4/230) . ونزهة النظر - (ج 1 / ص 26)
(13) - التعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 21)
(14) - انظر مقدمة فتح الباري/ 385 ،
فأما الخوارج فبدعتهم أول البدع في الإسلام ، وذلك حينَ شقوا عصا الطاعة وخرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه . والقدرية ، هُم القائلون بنفي القدر ، أي: أن الشر من خلق العبْد لا من خلق الله ، ومنه من يقول: لا يعلمه الله من المخلوق حتى يفعله . والرافضة: مبْغضو أبي بكر وعُمر وعثمان ، أو مكفروهم ، والغلاة في علي بن أبي طالب وأهل بيته ، والشيعة لقَبٌ يَشملهم ، لكن يدْخل فيه: مُجرد تقديم علي على أبي بكر وعُمر دونَ البُغض . والناصبة: من قابلوا الرافضة في بُغض علي وأهْل بيته . والمرجئة: من ذهب إلى أن الإيمان مُجرَّد اعتقادِ القلب وإقرار اللسان ، وأنَّ الأعمال ليست من الإيمان ، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص ، ومنهم من غلا فقال: لا يضرُّ مع الإيمان معصية . والجهمية: أتباع جهم بن صَفوان في نفي صِفات الباري تعالى ، واعتقاد خلق القرآن . والواقفة: هم من توقَّف في القرآن حين ظهرت المقالة فيه فقالوا: لا نقول هو مخلوق ، ولا غير مخلوق .
(15) - وهوَ من رءوس القدرية .
(16) - مقدمة صحيح مسلم ( 1 / 23 ) بإسناد صحيح .
(17) - الإحسان في تقريب صحيح ابنِ حبان ( 1 / 160 ) ومن تكلم فيه وهو موثق أو صالح الحديث - (ج 1 / ص 8)
(18) - الضعفاء/ العقيلي 1/3 وانظر مقدمة ابن الصلاح/ 228 ومقدمة فتح الباري 385 ، والجامع لأخلاق الراوي 1/137 .
(19) - أثرٌ صحيح . أخرجه مُسلم في"مُقدمة صحيحه" ( 1 / 15 ) والترمذي في ( العلل ) آخر كتاب"الجامع" ( 6 / 231 ) والجوزجاني في"أحوال الرجال" ( ص: 35 _ 36 ) وعبد الله بن أحمد في"العلل" ( النص: 3640 ) وابنُ أبي حاتم في"الجرح والتعديل" ( 1 / 1 / 28 ) والرامهرمزي في"المحدث الفاصل" ( ص: 208 - 209 ) والعُقيلي في"الضعفاء" ( 1 / 10 ) وابنُ عدي في"الكامل" ( 1 / 214 ) وابنُ حبان في"المجروحين" ( 1 / 82 ) والخطيب في"الكفاية" ( ص: 197 ) من طريق إسماعيل بن زكريا الخُلقانيِّ ، عن عاصم الأحوال ، عن ابن سيرين ، به . وإسناده جيد .
(20) - أخرجه ابنُ عبد البرِّ في"التمهيد" ( 1 / 65 ) بإسناد صحيح .
(21) - الجامع لأخلاق الراوي 1/137 وجامع بيان العلم 1/157 والصحيحة (695) وصحيح الجامع (2207) وهو صحيح
(22) - الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِلْخَطِيِبِ الْبَغْدَادِيِّ (161)
(23) - -مقدمة ابن الصلاح 228 .
(24) - الكفاية (316 )
(25) - السابق (317 )
(26) - الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِلْخَطِيِبِ الْبَغْدَادِيِّ (163 )
(27) -انظر مقدمة فتح الباري/ 385 .
(28) - سؤالات أبي داود ( النص: 136 ) .
(29) - ( َالْقَدَرِيَّةُ ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَتُسَكَّنُ وَهُمْ الْمُنْكِرُونَ لِلْقَدَرِ ، الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَتِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ ، إِنَّمَا نُسِبَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إِلَى الْقَدَرِ لِأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ فِي الْقَدَرِ كَثِيرًا .تحفة الأحوذي - (ج 5 / ص 439)
(30) - أخرجه الخطيب في"تاريخه" ( 12 / 200 ) وإسناده حَسنٌ .
(31) - هُمْ الطَّائِفَة مِنَ الْمُبْتَدِعَة يُخَالِفُونَ أَهْل السُّنَّة فِي كَثِير مِنَ الْأُصُول كَمَسْأَلَةِ الرُّؤْيَة وَإِثْبَات الصِّفَات يُنْسَبُونَ إِلَى جَهْم بِفَتْحِ فَسُكُون هُوَ جَهْم بْنُ صَفْوَان مِنْ أَهْل الْكُوفَة .حاشية السندي على ابن ماجه - (ج 1 / ص 162)
(32) - َقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ فَيُؤَخِّرُونَ الْعَمَلَ عَنِ الْقَوْلِ ، وَهَذَا غَلَطٌ ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الْمُرْجِئَةَ هُمْ الْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الْجَمَادَاتِ ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ عَنِ الِاعْتِدَادِ بِهِمَا وَيَرْتَكِبُونَ الْكَبَائِرَ . فَهُمْ عَلَى الْإِفْرَاطِ وَالْقَدَرِيَّةُ عَلَى التَّفْرِيطِ وَالْحَقُّ مَا بَيْنَهُمَا اِنْتَهَى .تحفة الأحوذي - (ج 5 / ص 439)
(33) - شرح علل الترمذي ( 1 / 56 ) ، والرواية الأولى عن أحمد في المرجئة في القبول مُطلقًا هي التي ذكرْت ، وأما الثانية فتأتي في المذهب الثالث .
(34) - مُقدمة صحيح مُسلم ( ص: 8 ) .
(35) - مَعرفة علوم الحديث ( ص: 16 ) .رقم (21)
(36) - الكفاية ، للخطيب ( ص: 203 - 205 ) .