4-قوله تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3-4 ) ) فيه دليل على أن ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من السنة الشريفة إنما هو وحي من عند الله تعالى، وما كان من عند الله واجب الاتباع، لأن الله هو المشرع. فلذلك كانت السنة الشريفة واجبة الاتباع، فإن قيل: إن كانت السنة الشريفة وحيًا فما الفرق بينها وبين القرآن الكريم، أجيب بأن القرآن الكريم جاء عن طريق الوحي بلفظه ومعناه، أما السنة الشريفة فمعناها من الله تعالى، أما ألفاظها فمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن قيل: فما الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي، إذ الحديث القدسي معناه من الله تعالى ولفظه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أجيب عنه أيضًا، بأن الحديث القدسي ألقي معناه في روع النبي - صلى الله عليه وسلم - بطريق الوحي المباشر، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرح بهذا المعنى أحيانا فيقول: (نفث في روعي ... ) أما الحديث النبوي فمعناه من الله تعالى عن طريق التسديد لا عن طريق الوحي المباشر، ومثل هذه الآيات الدالة على حجية السنة الشريفة كثير في القرآن الكريم.
وأما السنة الشريفة: فأحاديث كثيرة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير فيها بصراحة إلى أن طاعته واجبة، وأن أمره إنما هو من الله سبحانه وتعالى، منها:
1-قوله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: « تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » [1] . فإن في هذا القول النبوي الكريم تسوية بين القرآن الكريم والسنة الشريفة في الحجية.
2-ما رواه المقداد بن معديكرب من قوله - صلى الله عليه وسلم -: « يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِى وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِى فَيَقُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم كِتَابُ اللَّهِ فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ. أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ » [2] . فإن هذا الحديث الشريف نص في الباب.
3-حديث معاذ بن جبل المتقدم في تعريف السنة الشريفة التقريرية المتضمن معنى قوله: (أقضي بالقرآن ثم بالسنة ثم اجتهد رأيي) ، حيث قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله، فإن في هذا إقرارًا صريحًا بحجية السنة الشريفة .
وأما الإجماع: فهو ما ثبت لدينا بطريق لا شبهة فيه من أن الصحابة كانوا يلتزمون سنته - صلى الله عليه وسلم - وقضاءه في حياته، ولا يخالفونه في شيء، ولا يطلبون منه دليلًا غير قوله وفتواه، والتزامهم بهذا المبدأ بعد وفاته، فإنهم كانوا إذا لم يجدوا في القرآن الكريم بغيتهم لجؤوا إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - يتساءلون فيما بينهم هل روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذه الحادثة شيء؟ هل قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذا الأمر بشيء؟ فإن وجدوا قضوا بما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن لم يجدوا أعملوا عقولهم وقاسوا هذا الأمر على الأمور الأخرى المنصوص عليها في القرآن الكريم أو السنة الشريفة وقد عُلم ذلك منهم دون معارضة أو منازعة ممن له رأي معتبر، فكان ذلك إجماعًا.
وأما المعقول: فانه يتجلى في عدة أمور أهمها:
أ) كثير من الأحكام التي وردت في القرآن الكريم جاء مجملًا أو عامًا أو مطلقًا أو مشتركًا، وهذا كله يحتاج إلى بيان لمجمله ومشتركة، وتقييد لمطلقه، وتخصيص لعامه، إذا المعنى المراد منه لا يفهم إلا بذلك، والسنَّة هي التي تولت هذه المهمة، مهمة البيان بأمر الله تعالى حيث قال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل:44) ، فكانت السنة الشريفة محتجًا إليها لفهم الكتاب، وقد اعتبرنا الكتاب حجة واتباعه واجبا فيما مضى، وما كان محتاجًا إليه لفهم الكتاب الذي هو مصدر الأمر والنهي الواجب الاتباع فهو واجب، لأن القاعدة الأًصولية تقول:مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ب) إن الله تعالى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتبليغ القرآن الكريم وبيانه معًا، لأن التبليغ لا يتم إلا بالبيان والتبليغ كان بتلقين آيات القرآن، أما البيان فكان بالسنة المطهرة الموضحة له، وقد قامت الأدلة على عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخطأ في التبليغ والبيان معًا والسهو فيهما، من مثل قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3-4) ، وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ، وقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى) (الأعلى:6) ، وغيرها.
هذا ولا بد من الإشارة إلى أن بعض الناس ممن سفهوا عقولهم، ذهبوا إلى أن السنة الشريفة ليست بحجَّة، واستندوا في دعواهم هذه إلى أمور حسبوها أدلة وما هي إلى أوهام وشكوك، ولذلك رأيت أن أصرف النظر عنها ولا أتعرض لذكرها، سيما وهي موضحة ومشار إليها في كتب الأصول، ويستطيع الاطلاع عليها كل من أراد ذلك، ثم إنها أتفه من أن تبحث أو يتعرض لها."اهـ"
قلتُ:
لا خلافَ بين أهل العلم في وجوب العملِ بخبر الواحد إذا كان صحيحًا
ولكنْ يتفرعُ عن هذه المسألة أمورٌ منها:
أنْ لا يخالفه ما هو مثله في القوة أو أقوى منه .
وأن لا يكون منسوخًا .
وأن تكون دلالتُه واضحةً على المعنى المراد الاستدلال به .
واشترط بعضُ الفقهاء شروطا أخرى مثل المالكية أن لا يخالفَ عملَ أهل المدينة.
وكذلك اشترط الحنفيةُ أن لا يعملَ الراوي بخلاف روايته ،وأن لا يكونَ مما تعمُّ به البلوى ونحو ذلك.
قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله: [3]
""وَقَالَ الْأَصَمُّ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ لِنُعْطِيَنَّك جُمْلَةً تُغْنِيك إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا تَدَعْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا أَبَدًا إلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خِلَافَهُ فَتَعْمَلَ بِمَا قُلْت لَك فِي الْأَحَادِيثِ إذَا اخْتَلَفَتْ .
قَالَ الْأَصَمُّ: وَسَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدَعُوا مَا قُلْت ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَارُودِيُّ: سَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إذَا وَجَدْتُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خِلَافَ قَوْلِي فَخُذُوا بِالسُّنَّةِ وَدَعُوا قَوْلِي ، فَإِنِّي أَقُولُ بِهَا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ الرَّازِيّ: سَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَكَلَّمْت فِيهَا صَحَّ الْخَبَرُ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ بِخِلَافِ مَا قُلْت فَأَنَا رَاجِعٌ عَنْهَا فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَوْتِي .
وَقَالَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا قُلْت وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ قَالَ بِخِلَافِ قَوْلِي مِمَّا يَصِحُّ فَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى ، لَا تُقَلِّدُونِي ؛ وَقَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْت الْأَصَمَّ يَقُولُ: سَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: وَرَوَى حَدِيثًا ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: تَأْخُذُ بِهَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: مَتَى رَوَيْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا صَحِيحًا فَلَمْ آخُذْ بِهِ فَأُشْهِدُكُمْ أَنَّ عَقْلِي قَدْ ذَهَبَ ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى رُءُوسِهِمْ .
وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: سَأَلَ رَجُلٌ الشَّافِعِيَّ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَفْتَاهُ وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَذَا ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَتَقُولُ بِهَذَا ؟ قَالَ: أَرَأَيْت فِي وَسَطِي زُنَّارًا ؟ أَتَرَانِي خَرَجْت مِنْ الْكَنِيسَةِ ؟ أَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَتَقُولُ لِي: أَتَقُولُ بِهَذَا ؟ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا أَقُولُ بِهِ ؟ وَقَالَ الْحَاكِمُ: أَنْبَأَنِي أَبُو عَمْرُونٍ السَّمَّاكُ مُشَافَهَةً أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْجَصَّاصَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَمِعْت الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ - وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا .
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ ؟ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَتَقُولُ بِهَذَا ؟ فَارْتَعَدَ الشَّافِعِيُّ وَاصْفَرَّ وَحَالَ لَوْنُهُ - وَقَالَ: وَيْحَكَ ، أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إذَا رَوَيْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَيْئًا فَلَمْ أَقُلْ بِهِ ؟ نَعَمْ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنَيْنِ ، نَعَمْ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنَيْنِ .
قَالَ: وَسَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَتَذْهَبُ عَلَيْهِ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتَعْزُبُ عَنْهُ ، فَمَهْمَا قُلْت مِنْ قَوْلٍ أَوْ أَصَّلْت مِنْ أَصْلٍ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خِلَافَ مَا قُلْت فَالْقَوْلُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ قَوْلِي ، وَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ .
وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا نَسَبَتْهُ عَامَّةٌ أَوْ نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ يُخَالِفُ فِي أَنْ فَرَضَ اللَّهُ اتِّبَاعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إلَّا اتِّبَاعَهُ ، وَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلُ رَجُلٍ قَالَ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَإِنَّ مَا سِوَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا ، وَإِنْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَى مَنْ بَعْدَنَا وَقَبْلَنَا فِي قَبُولِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفَرْضُ ، وَوَاجِبٌ قَبُولُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا فِرْقَةٌ سَأَصِفُ قَوْلَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ...
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قَالَ أَبِي: قَالَ لَنَا الشَّافِعِيُّ: إذَا صَحَّ لَكُمْ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُولُوا لِي حَتَّى أَذْهَبَ إلَيْهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: كَانَ أَحْسَنُ أَمْرِ الشَّافِعِيِّ عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الْخَبَرَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَالَ بِهِ وَتَرَكَ قَوْلَهُ ، وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا نَتْرُكُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ لَا يَدْخُلَهُ الْقِيَاسُ وَلَا مَوْضِعَ لِلْقِيَاسِ لِمَوْقِعِ السُّنَّةِ ، وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَقَدْ رُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي أَنَّهُ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ أُنْكِحَتْ بِغَيْرِ مَهْرٍ ، فَمَاتَ زَوْجُهَا ، فَقَضَى لَهَا بِمَهْرِ نِسَائِهَا ؛ وَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ } ، فَإِنْ كَانَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَهُوَ أَوْلَى الْأُمُورِ بِنَا ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا فِي قِيَاسٍ وَلَا فِي شَيْءٍ إلَّا طَاعَةُ اللَّهِ بِالتَّسْلِيمِ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُثْبِتَ عَنْهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ ، وَلَمْ أَحْفَظْهُ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ ، هُوَ مَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَمَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِ أَشْجَعَ لَا يُسَمَّى .
وَقَالَ الرَّبِيعُ: سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ: يَرْفَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ ، قُلْت لَهُ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ قَوْلِنَا .
قَالَ الرَّبِيعُ: فَقُلْت لَهُ: فَإِنَّا نَقُولُ يَرْفَعُ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ لَا يَعُودُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ - يَعْنِي مَالِكًا - يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ { إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ } ، ثُمَّ خَالَفْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَابْنَ عُمَرَ ، فَقُلْتُمْ: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ .
وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا رَفَعَاهُمَا فِي الِابْتِدَاءِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ ، أَفَيَجُوزُ لِعَالِمٍ أَنْ يَتْرُكَ فِعْلَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِعْلَ ابْنِ عُمَرَ لِرَأْيِ نَفْسِهِ أَوْ فِعْلَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِرَأْيِ ابْنِ عُمَرَ ، ثُمَّ الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، ثُمَّ يَأْتِي مَوْضِعٌ آخَرُ يُصِيبُ فِيهِ فَيُتْرَكُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ مَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فَكَيْفَ لَمْ يَنْهَهُ بَعْضُ هَذَا عَنْ بَعْضٍ ؟ أَرَأَيْت إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ اثْنَتَيْنِ أَنَأْخُذُ بِوَاحِدَةٍ وَنَتْرُكُ وَاحِدَةً ؟ أَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ تَرْكُ الَّذِي أَخَذَ بِهِ وَأَخَذَ الَّذِي تَرَكَ ؟ أَوْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ تَرْكُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فَقُلْت لَهُ: فَإِنَّ صَاحِبَنَا قَالَ: فَمَا مَعْنَى الرَّفْعِ ؟ قَالَ مَعْنَاهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وَاتِّبَاعٌ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَعْنَى الرَّفْعِ فِي الْأُولَى مَعْنَى الرَّفْعِ الَّذِي خَالَفْتُمْ فِيهِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ ، ثُمَّ خَالَفْتُمْ فِيهِ رِوَايَتَكُمْ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَابْنِ عُمَرَ مَعًا ، وَيَرْوِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَمَنْ تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ السُّنَّةَ .
قُلْت: وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ تَارِكَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ تَارِكٌ لِلسُّنَّةِ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .
وَقَالَ الرَّبِيعُ: سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِمَا يَبْقَى رِيحُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ وَالْحَلَّاقِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ ؛ فَقَالَ: جَائِزٌ ، وَأُحِبُّهُ ، وَلَا أَكْرَهُهُ ؛ لِثُبُوتِ السُّنَّةِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَالْأَخْبَارُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَقُلْت: وَمَا حُجَّتُك فِيهِ ؟ فَذَكَرَ الْأَخْبَارَ فِيهِ وَالْآثَارَ ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ ، قَالَ سَالِمٌ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِي ، سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّالِحُونَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ ، فَأَمَّا مَا تَذْهَبُونَ إلَيْهِ مِنْ تَرْكِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا وَتَرْكِ ذَلِكَ لِغَيْرِ شَيْءٍ بَلْ لِرَأْيِ أَنْفُسِكُمْ فَالْعِلْمُ إذًا إلَيْكُمْ تَأْتُونَ مِنْهُ مَا شِئْتُمْ وَتَدْعُونَ مَا شِئْتُمْ.
وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْقَدِيمِ ،رِوَايَةُ الزَّعْفَرَانِيِّ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ لَهُ: إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِك قَدْ قَالَ خِلَافَ هَذَا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقُلْت لَهُ: مَنْ تَبِعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَافَقْته ، وَمَنْ خَلَطَ فَتَرَكَهَا خَالَفْته ، حَتَّى صَاحِبِي: الَّذِي لَا أُفَارِقُ الْمُلَازِمُ الثَّابِتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْ بَعُدَ ، وَاَلَّذِي أُفَارِقُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْ قَرُبَ ....اهـ
قلتُ:
إننا لا نلزمُ أحدًا من الفقهاء العملَ بحديثٍ صحيحٍ ما، إلا إذا وافقَ القواعدَ والضوابطَ التي وضعها ذلك الإمام ُ.
وكلهُم قال: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي ، ولكن إذا صحَّ وفق القواعد والضوابط التي وضعها الإمام ولم يعارضْه ما هو أقوى منه ولم يكن منسوخًا ، عندئذ يلزم الإمام أو أتباعه العمل به .
وأمَّا إذا صحَّ عندي الحديثُ ولم يصحَّ وفقَ شروط الإمام الفلاني فلا يلزمُ به لا هو ولا أتباعه .
وما إمام إلا وقد ترك أحاديث صحيحة لم يحتج بها ، لمعارض لها مثلها أقوى منها . [4]
6-المرادُ بقولهم:"هذا حديث صحيح"أو هذا حديث غير صحيح":"
أ) المراد بقولهم:"هذا حديث صحيح أن الشروط الخمسة السابقة قد تحققت فيه، كما في سنن الترمذى برقم (156 ) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِى هَذَا الْبَابِ. وَفِى الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ."
لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر ، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة [5] .
خلافًا لمن قال: إنَّ خبر الواحد يُوجب القَطْع, حكاهُ ابن الصبَّاغ عن قومٍ من أهل الحديث, وعزاهُ البَاجي لأحمد, وابن خُويز منداد لمالك, وإن نازعه فيه المازري بعدم وجود نص له فيه, وحكاه ابن عبد البرِّ عن حسين الكرابيسي, وابن حزم عن داود.
وحكى السُّهيلي عن بعض الشَّافعية ذلك بشرط أن يكون في إسْنَاده إمام, مثل مالك وأحمد وسفيان, وإلاَّ فلا يُوجبه.
وحكى الشَّيخ أبو إسحاق في «التبصرة» عن بعض المُحدِّثين ذلك في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر وشبهه [6] .وسوف يمر التحقيق في ذلك .
ب) والمراد بقولهم:"هذا حديث غير صحيح"أنه لم تتحقق فيه شروط الصحة الخمسة السابقة كلها أو بعضها لا أنه كذب في نفس الأمر، لجواز إصابة من هو كثير الخطأ .
كما في شعب الإيمان للبيهقي برقم (9336 ) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، نا الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق في آخرين ، نا محمد بن عبد الله الحضرمي ، نا جعديه بن يحيى ، نا العلاء بن بشر ، نا سفيان وهو ابن عيينة ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « ليس للفاسق غيبة » [7] ، فقد قال أبو عبد الله: « هذا حديث غير صحيح ولا معتمد .. » [8]
7-هل يجْزَمُ في إسناد أنه أصحُّ الأسانيدِ مطلقًا ؟
المختارُ أنه لا يجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقًا، لأن تفاوت مراتب الصحة مبنيٌّ على تمكن الإسناد من شروط الصحة. ويندرُ تحقق أعلى الدرجات في جميع شروط الصحة . فالأولى الإمساكُ عن الحكم لإسناد بأنه أصح الأسانيد مطلقًا،
قال السيوطي رحمه الله [9] :
"فالحُكم حينئذ على إسنادٍ مُعيَّن بأنَّه أصح على الإطلاق, مع عدم اتفاقهم ترجيح بغير مرجح."
(1) - موطأ مالك (1628 ) 900/2 وهو صحيح لغيره
(2) - مسند أحمد (17657) صحيح
(3) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 425) فما بعدها
(4) - راجع التفاصيل في تحقيقي لكتاب (( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) )لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .، وانظر شرح هذه القادعة بالتفصيل في كتابي (( الخلاصة في بيان أسباب اختلاف الفقهاء ) )من ص 49-103، والكتابان في مكتبة صيد الفوائد وغيرها .
(5) -.تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 35)
(6) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 35)
(7) - قلت: وقد ورد من طرق طب 19/418 وأصفهان 2/40 و عدي 2/596 و 5/1863 و مجمع 1/149 و الاتحاف 4/117 و 7/558 و الشعب (9665) فالحديث حسن لغير
(8) - انظر تدريب الراوي جـ 1 ـ ص 75-76
(9) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 36) فما بعدها