فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 522

كما في صحيح البخارى (7297 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ تَسْأَلُوهُ لاَ يُسْمِعْكُمْ مَا تَكْرَهُونَ . فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَدِّثْنَا عَنِ الرُّوحِ . فَقَامَ سَاعَةً يَنْظُرُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ ، فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْىُ ، ثُمَّ قَالَ ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى ) .

قلت: وكمالك عن نافع عن ابن عمر ونحوها .

ودونَها في الرُّتبةِ: كرِوايةِ بُرَيْدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبي بُرْدَةَ عن جَدِّهِ عن أَبيهِ أَبي مُوسى (الأشعري) .

كما في صحيح البخارى (5048) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِىُّ حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ « يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ » .

وكَحمَّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ثابِتٍ (البناني) عَنْ أَنسٍ .

كما في صحيح مسلم (1208 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُصَلِّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِى صَلاَةِ الْفَجْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنَادَى أَلاَ إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ. فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ.

ودُونَها في الرُّتْبَةِ:

كسُهَيْلِ بنِ أَبي صالحٍ عَنْ أَبيهِ عن أَبي هُريرةَ .

كما في صحيح مسلم (3333 ) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُفَضَّلٍ - حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلاَثًا إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا » .

وكالعَلاءِ بنِ عبدِ الرحمن عن أَبيهِ عن أَبي هُريرةَ .

كما في صحيح مسلم (377 ) حَدَّثَنِى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ مَخْلَدٍ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِى قَالَ « فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ » . قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِى قَالَ « قَاتِلْهُ » . قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِى قَالَ « فَأَنْتَ شَهِيدٌ » . قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ « هُوَ فِى النَّارِ » .

فإِنَّ الجَميعَ يشمَلُهُم اسمُ العَدالَةِ والضَّبْطِ ؛ إِلاَّ أَنَّ (في) للمَرْتَبَةِ الأولى (فيهم) مِن الصِّفاتِ المُرَجِّحَةِ ما يقتَضي تقديمَ روايتِهِم على الَّتي تَليها ، وفي الَّتي تليها مِنْ قوَّةِ الضَّبْطِ ما يقتَضي تقديمَها على الثَّالِثَةِ ، وهِي مُقدَّمةٌ على رِوايةِ مَن يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ حَسنًا [1] ؛ كمحمَّد بنِ إِسحاقَ عن عاصمِ بنِ عُمرَ (بن قتادة) عن جابرٍ قلت: الصواب مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ جَابِرِ ،كما في سنن أبى داود (1675 ) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِىَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْسَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَحَذَفَهُ بِهَا فَلَوْ أَصَابَتْهُ لأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَأْتِى أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى » . ( وهو صحيح )

يستكف: يأخذ ببطن كفه أو يسأل كفا من الطعام أو ما يكف الجوع

وقد ضعفه الشيخ ناصر رحمه الله وتابعه ابن باز رحمه الله ، بسبب عنعنة ابن إسحاق حيث قال: فات المؤلف أن يقول محمد بن إسحاق عن عاصم إذا صرح ابن اسحاق بالسماع .

قلت: الصواب أنه غير مدلس ، وإذا دلس لا يمكن أن يدلس على مشايخه الكبار ، وعاصم منهم ، فيحمل حديثه عنهم على الاتصال ، ولو لم يصرح بالتحديث .

و (عن) عمروِ بنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ،كما في سنن أبى داود (653 ) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا. وهو صحيح

وقِسْ على هذهِ المراتِبِ ما يُشبِهُها .

والمرتَبَةُ الأولى هِيَ الَّتي أَطلَقَ عليها بعضُ الأئمَّةِ أَنَّها أَصحُّ الأسانيدِ ، والمُعْتَمَدُ عدمُ الإِطلاقِ لترجَمةٍ معيَّنةٍ منها .

نعم ؛ يُستَفَادُ مِن مجموعِ ما أَطلقَ الأئمَّةُ عليهِ ذلك أَرجَحِيَّتُهُ على ما لَمْ يُطْلِقوهُ .

ويلْتَحِقُ بهذا التَّفاضُلِ [2] ما اتَّفَقَ الشَّيخانِ على تَخريجِه بالنِّسبةِ إِلى ما انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُما ، وما انْفَرَدَ بهِ البُخاريُّ بالنِّسبةِ إلى ما انْفَرَدَ بهِ مُسلمٌ ؛ لاتِّفاقِ العُلماءِ بعدِهِما على تلقِّي كِتابَيْهِما بالقَبولِ ، واختِلافِ بعضِهِم على أَيِّهِما أَرْجَحُ ، فما اتَّفقا عليهِ أَرجَحُ مِن هذهِ الحيثيَّةِ ممَّا لم يتَّفقا عليهِ .

وقد صرَّحَ الجمهورُ بتقديمِ (صحيحِ البُخاريِّ) في الصِّحَّةِ ، ولم يوجَدْ عنْ أحدٍ التَّصريحُ بنقيضِهِ [3] .

وأَمّا ما نُقِلَ عَن أبي عليٍّ النَّيْسابوريِّ أَنَّهُ قالَ [4] : ما تحتَ أَديمِ السَّماءِ أَصحُّ مِن كتابِ مُسلمٍ [5] ؛ فلمْ يُصرِّحْ بكونِه أَصحَّ مِن صحيحِ البُخاريِّ ؛ لأَنَّهُ إِنَّما نَفَى وُجودَ كتابٍ أَصحَّ مِن كتابِ مسلم ؛ إِذ المَنْفِيُّ إِنَّما هُو ما تَقْتَضيهِ صيغَةُ أَفْعَلَ من زيادَةِ صحَّةٍ في كتابٍ شارَكَ كتابَ مُسلمٍ في الصِّحَّةِ ، يمتازُ بتلكَ الزِّيادَةِ عليه ، ولم يَنْفِ المُساواةَ .

وكذلكَ ما نُقِلَ عنْ بعضِ المَغارِبَةِ أَنَّهُ فَضَّلَ صحيحَ مُسلمٍ على صحيحِ البُخاريِّ ؛ فذلكَ فيما يرجِعُ إِلى حُسْنِ السِّياقِ وجَوْدَةِ الوَضْعِ والتَّرتِيبِ .

ولم يُفْصِحْ أَحدٌ منهُم بأَنَّ ذلكَ راجِعٌ إِلى الأصحِّيَّةِ ، ولو أَفْصَحوا به لردَّهُ عليهِمْ شاهِدُ الوُجودِ [6] ، فالصِّفاتُ الَّتي تدورُ عليها الصِّحَّةُ في كتابِ البُخاريِّ أَتمُّ منها في كتابِ مسلمٍ وأَشَدُّ ، وشرطُهُ فيها أَقوى وأَسَدُّ.

أَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ الاتصالُ ؛ فلاشْتِراطِهِ أَنْ يكونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لهُ لِقاءُ مَنْ روى عنهُ ولو مَرَّةً ، واكْتَفى مُسْلِمٌ بمُطْلَقِ المُعاصَرَةِ ، وأَلْزَمَ البُخاريَّ بأَنَّهُ يحتاجُ إِلى أَنْ لا يقْبَلَ العَنْعَنَةَ أَصلًا !

وما أَلْزَمَهُ بهِ ليسَ بلازِمٍ ؛ لأنَّ الرَّاويَ إِذا ثبتَ لهُ اللِّقاءُ مرَّةً ؛ لا يجْري في رواياتِهِ احْتِمالُ أَنْ لا يكونَ قد سمِعَ منهُ ؛ لأنَّهُ يلزمُ مِن جَريانِهِ أَنْ يكونَ مُدَلِّسًا ، والمسأَلةُ مَفروضَةٌ في غير المُدَلِّسِ .

وأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حيثُ العَدالَةُ والضَّبْطُ ؛ فلأنَّ الرِّجالَ الَّذينَ تُكُلَِّمَ فيهِم مِن رجالِ مُسلِمٍ أَكثرُ عَددًا مِن الرِّجالِ الَّذينَ تُكُلِّمَ فيهِم مِن رجالِ البُخاريِّ ، معَ أَنَّ البُخارِيَّ لم يُكْثِرْ مِن إِخراجِ حَديثِهِمْ ، بل غالِبُهُمْ مِن شيوخِهِ الذينَ أَخَذَ عنهُم ومَارَسَ حَديثَهُم ، بخِلافِ مُسلمٍ في الأمْرَينِ .

وأَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ عدمُ الشُّذوذِ والإِعلالِ ؛ فلأنَّ ما انْتُقِدَ على البُخاريِّ مِن الأحاديثِ أَقلُّ عددًا مِمَّا انْتُقِدَ على مُسْلِمٍ ، هذا مع اتِّفاقِ العُلماءِ على أنَّ البُخاريَّ كانَ أَجلَّ مِن مُسْلِمٍ في العُلومِ وأَعْرَفَ بصِناعةِ الحَديثِ مِنهُ ، وأَنَّ مُسلمًا تِلْميذهُ وخِرِّيجُهُ ، ولم يزَلْ يَسْتَفيدُ منهُ ويتْبَعُ آثارَهُ حتَّى لقد قالَ الدَّارَقُطنِيُّ [7] : لولا البُخاريُّ لَما راحَ مُسْلِمٌ ولا جَاءَ . [8]

ومن ثَمَّ ؛ أي: و من هذه الحيثيَّةِ - وهي أَرجحيَّةُ شَرْطِ البُخاريِّ على غيرِه - قُدِّمَ (صحيحُ البُخاريِّ) على غيرِه من الكُتُبِ المُصَنَّفةِ في الحديثِ .

ثمَّ صحيحُ مُسْلِمٍ ؛ لمُشارَكَتِه للبُخاريِّ في اتِّفاقِ العُلماءِ على تَلَقِّي كِتابِهِ بالقَبولِ أَيضًا ، سوى ما عُلِّلَ .

ثمَّ يُقَدَّمُ في الأرجحيَّةِ من حيثُ الأصحِّيَّةُ ما وافَقَهُ شَرْطُهُما ؛ لأنَّ المُرادَ به رواتُهُما معَ باقي شُروطِ الصَّحيحِ ، ورواتُهما قد حَصَلَ الاتِّفاقُ على القَوْلِ بتَعديلِهِمْ بطريقِ اللُّزومِ [9] ، فهم مُقَدَّمونَ على غيرِهم في رِواياتِهم ، وهذا أَصلٌ لا يُخْرَجُ عنهُ إِلاَّ بدليلٍ . [10]

فإِنْ كانَ الخَبَرُ على شَرْطِهما معًا ؛ كانَ دونَ ما أَخرَجَهُ مسلمٌ أَو مثله [11] .

وإِنْ كانَ على شَرْطِ أَحَدِهما ؛ فيُقَدَّمُ شَرْطُ البُخاريِّ وحْدَه على شرطِ مُسلمٍ وحدَه تَبَعًا لأصلِ كُلٍّ منهُما .

فخَرَجَ لنا مِن هذا سِتَّةُ أَقسامٍ تتفاوتُ دَرَجاتُها في الصِّحَّةِ .

وثَمَّةَ قسمٌ سابعٌ ، وهو ما ليسَ على شرطِهما اجتِماعًا وانْفرادًا .

قلت: وبهذا تكون أقسام الصحيح من هذه الحيثية سبعة ، الأول ما اتفق عليه الشيخان ، والثاني ما رواه البخاري والثالث ما رواه مسلم والرابع ما كان على شرطهما والخامس ما كان على شرط البخاري ثم السادس ما كان على شرط مسلم ثم السابع ما صححه أحد الإئمة وهو ليس على شرط واحد منهما كالذي يصححه الدارقطني وابن حزيمة وابن حبان وغيرهم ولا يكون فيه قادح . وهذا التَّفاوتُ إِنَّما هو بالنَّظرِ إِلى الحيثيَّةِ المذكورةِ .أَمَّا لو رُجِّحَ قِسْمٌ على ما هو فَوْقَهُ بأُمورٍ أُخرى تقتَضي التَّرْجيحَ ؛ فإِنَّهُ يُقَدَّمُ على ما فَوْقَهُ - إذ قَدْ يَعْرِضُ للمَفوقِ مَا يجعَلُهُ فائقًا - كما لو كان الحديثُ عندَ مُسلم مثلًا ، وهُو مشهورٌ قاصِرٌ عن دَرَجَةِ التَّواتُرِ ، لكنْ حَفَّتْهُ قرينةٌ صارَ بها يُفيدُ العِلْمَ ؛ فإِنَّه يُقَدَّمُ بها على الحديثِ الذي يُخْرِجُهُ البُخاريُّ إِذا كانَ فَرْدًا مُطْلقًا .

قلت:"الصحيحُ درجاتٌ ومراتب، ولكن هذا الترجيح إجماليٌّ؛ فليس مِنْ لازمه تفضيلُ كلِّ درجةٍ على التي بعدها مطلقًا في كلِّ حديثٍ؛ فقد يَرِدُ حديثٌ على شرط مسلم أقوى مِن حديثٍ على شرط البُخَارِيّ، وهذا لا يَنْقض القاعدة العامّة هذه."

وكما لو كانَ الحَديثُ الَّذي لم يُخْرِجَاهُ مِن ترجمةٍ وُصِفَتْ بكونِها أَصَحَّ الأسانيدِ كمالِكٍ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ ؛ فإِنه يُقَدَّمُ على ما انفرَدَ بهِ أَحدُهُما مثلًا ، لا سيَّما إِذا كانَ في إِسنادِهِ مَن فيهِ مَقالٌ اهـ [12] .

قلت: هذا لا يعني ردَّ الرواية على كل حال؛ فقد تكون الرواية التي فيها مَنْ فيه مقالٌ مقبولةً، وقد تكون مردودة؛ وذلك بحسب نوع الكلام في الراوي ودرجته، وهل جاء مِن طُرُقٍ أُخرى أم لا؟.

ــــــــــــــ

13-شرط الشيخين:

لم يُفصح الشيخان عن شرط شرطاه أو عيناه زيادة على الشروط المتفق عليها في الصحيح، لكن الباحثين من العلماء ظهر لهم من التتبع والاستقراء لأساليبهما ما ظنه كل منهم أنه شرطهما أو شرط واحد منهما.

قال السيوطي [13] :

"وأعجب من ذلكَ ما ذَكَرهُ الميانجي في كتاب «ما لا يسع المُحدِّث جهله» : شرط الشَّيخين في «صحيحهما» أن لا يدخُلا فيه إلاَّ ما صَحَّ عندهما, وذلكَ ما رواهُ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - اثنان فصَاعدًا, وما نقلهُ عن كلِّ واحد من الصَّحابة أربعة من التَّابعين فأكثر, وأن يَكُون عن كلِّ واحد من التابعين أكثر من أربعة. انتهى."

قال شيخ الإسْلام: وهو كلام من لم يُمارس «الصَّحيحين» أدْنَى مُمَارسة, فلو قال قائل: ليس في الكتابين حديث واحد بهذه الصِّفة لما أبعد.

وقال ابن العَرَبي في «شرح الموطأ» : كان مذهب الشَّيخين أنَّ الحديث لا يثبت حتَّى يرويه اثنان, قال: وهو مذهب باطل, بل رواية الواحد عن الواحد صحيحة إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال في «شرح البُخاري» عند حديث «الأعمال...» : انفرد به عُمر, وقد جاء من طريق أبي سعيد, رواه البزَّار بإسْنَاد ضعيف.

قال: وحديث عُمر وإن كان طريقه واحدا وإنَّما بنى البُخَاري كتابه على حديث يرويه أكثر من واحد, فهذا الحديث ليسَ من ذلك الفن, لأنَّ عُمر قاله على المنبر بمحضر الأعيان من الصحابة, فصَار كالمُجْمع عليه, فكأنَّ عمر ذكَّرهم, لا أخبر.

قال ابن رُشيد: وقد ذكر ابن حبَّان في أوَّل «صحيحه» : أنَّ ما ادَّعاه ابن العربي وغيره, من أنَّ شرط الشَّيخين ذلكَ مُستحيل الوجود.

قال: والعَجَب منه كيف يدَّعي عليهما ذلك, ثمَّ يزعم أنَّه مذهب باطل, فليت شعري من أعلمه بأنَّهما اشترطا ذلك, إن كان منقولًا فليُبين طريقه ليُنظر فيها, وإن كان عرفه بالاستقراء فقد وهم في ذلك, ولقد كان يكفيه في ذلك أوَّل حديث في البُخاري, وما اعتذر به عنه فيه تقصير, لأنَّ عمر لم ينفرد به وحده, بل انفرد به عَلْقمة عنه, وانفرد به محمَّد بن إبراهيم, عن علقمة, وانفرد به يحيى بن سعيد, عن محمد, وعن يحيى تعددت رُواته.

وأيضًا: فكون عُمر قاله على المنبر لا يستلزم أن يَكُون ذكَّر السَّامعين بما هو عندهم, بل هو مُحتمل للأمرين, وإنَّما لم يُنكروه لأنَّه عندهم ثقة, فلو حدَّثهم بما لم يسمعُوه قط, لم يُنكروا عليه اهـ. [14]

"وقد ألَّف الحَازمي كتابًا في شُروط الأئمة, ذكر فيه شرط الشَّيخين وغيرهما فقال: مذهب من يُخرِّج الصَّحيح أن يُعتبر حال الرَّاوي العدل في مشايخه, وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضًا, وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت, يلزمه إخراجه, وعن بعضهم مدخول لا يصح إخراجه إلاَّ في الشَّواهد والمُتَابعات, وهذا باب فيه غموض, وطريقه معرفة طباق الرُّواة عن راوي الأصل, ومراتب مداركهم."

ولنُوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم أنَّ أصحاب الزُّهْري مثلا على خمس طبقات, ولكلِّ طبقة منها مزية على الَّتي تليها وتفاوت:

فمن كان في الطَّبقة الأولى فهي الغاية في الصِّحة, وهو غاية قصد البُخَاري, كمالك, وابن عُيينة, ويُونس, وعقيل الأيْلِيَّين, وجماعة.

والثانية شاركت الأولى في العَدَالة, غير أنَّ الأولى جمعت بين الحِفْظ والإتْقَان وبين طُول المُلازمة للزُّهري, بحيث كان منهم من يُلازمه في السَّفر, ويُلازمه في الحَضَر, كالليث بن سعد, والأوزاعي, والنُّعمان بن راشد, والثانية لم تُلازم الزُّهْري إلا مُدَّة يَسِيرة, فلم تُمارس حديثه, وكانوا في الإتقان دون الطَّبقة الأولى, كجعفر بن بُرْقَان, وسفيان بن حُسين السُّلمي, وزمعة بن صالح المَكِّى, وهم شرط مسلم.

والثالثة: جماعة لزمُوا الزُّهْري, مثل أهل الطَّبقة الأولى, غير أنَّهم لم يَسْلمُوا من غوائل الجرح, فهم بين الرَّد والقَبُول كمُعَاوية بن يحيى الصَّدَفي, وإسْحاق بن يحيى الكَلْبي, والمُثنى بن الصَّباح, وهم شرط أبي داود, والنَّسائي.

والرابعة: قومٌ شَاركوا الثَّالثة في الجرح والتَّعديل, وتفرَّدُوا بقلَّة مُمارستهم لحديث الزُّهْري, لأنَّهم لم يُلازموه كثيرًا, وهم شرط التِّرمذي.

والخامسة: نفرٌ من الضُّعفاء والمجهولين لا يَجُوز لمن يخرج الحديث على الأبواب أن يُخرج حديثهم إلاَّ على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود, فمن دُونه, فأمَّا عند الشَّيخين فلا.اهـ [15]

ــــــــــــــ

14-معنى قولهم:"مُتَّفَقٌ عليه":

إذا قال علماء الحديث عن حديث"متفق عليه"فمرادهم اتفاق الشيخين ، أي اتفاق البخاري ومسلم على صحته ، لا اتفاق الأمة إلا أن ابن الصلاح قال [16] :"لكن اتفاق الأمة عليه لازِمُ من ذلك وحاصل معه ، لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول . [17] "

ــــــــــــــ

قال الحافظ ابن حجر [19] :

(1) - وهذا واضح لأنه إذا خف الضبط انتقل من درجة الصحيح إلى درجة الحسن .

(2) - هذا إلحاقٌ بموضوع درجات الصحيح، لا إلحاقًا بالمرتبة الأُولى.

(3) - هذا الرجحان إنما هو رجحان البُخَارِيّ في الجملة على مسلم في الجملة: وما كان على شرط البُخَارِيّ ومسلم يجب أن يُراعَى في تحديده أن يكون الرواة في السند على ترتيبهم عندهما، بالنسبة للتلاميذ والشيوخ؛ لأنهما قد يَقبلان رواية راوٍ عن شيخه ذاك، الذي جاءت روايته عندهما أو عند أحدهما، ولا يَقْبلان روايته عن شيخٍ آخر.

(4) - هو الحسين بن علي بن يزيد النيسابوريّ، أبو عليّ، 277-349هـ.

(5) - كلام أبي علي غير مسلم ،والصواب ما تحت أديم السماء أصح من صحيح البخاري ثم مسلم هذا الذي عليه جمهور أهل العلم لكن مسلم امتاز بحسن السياق ،وجمع الأحاديث وضبط طرقها ،والبخاري تساهل في هذا يقطع الأحاديث ويفرقها على حسب الحاجة إليها، ومسلم كانت له عناية بحسن السياق وجمع الأسانيد حتى يتضح للقارئ الحديث بطرقه كلها في موضع واحد .

(6) - لقد أَحْسنَ الإمام ابن حجر، رحمه الله تعالى، بهذه الطريقة في الاستدلال؛ وذلك لأنّ أقوى الأدلة لإثبات الشيء حقيقةُ وجودِهِ؛ لأنها تُفنِّد أدلة إنكاره، ولذلك كان مِن حكمة الله تعالى -في باب دعوة الله لنا إلى هُدَاه- أنه دعانا إلى الإيمان به بكلِّ سبيلٍ، ومِن ذلك أنه أَرى بعْضَ عباده عمليةَ الخَلْق والإِحياء.

وقد أشهدَ الله تعالى مَن أَشهَدَ مِن عباده، والإشهاد على الإيجاد، من أدلةِ وحججِ الله على العباد.

وهذا يَعْني أنّ مِن المنهجية المهمة، في طريقة الوصول إلى الحق، والطريقةِ المثلى للمنافحة عن الحق، وردِّ الشبهات، الاتِّساء بهذا المنهج، سواء في طريقة العرض والإقناع، أو في طريقة المناقشة ورَدِّ الشبهات. وقد قالوا: شاهدُ العِيان يُغْني عن البيان!.

وقد تعرَّض الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لهذا في كتابه الاستقامة وفي غيره، وذَكَر كلامًا جميلًا فيه.

(7) - هو عليّ بن عمر بن أحمد الدّارَقُطْنِيّ، البغدادي، أبو الحسن، 306-385هـ، يُضرب به المثل في الحفظ والإتقان في الحديث، له مصنفات في الحديث تشهد بإمامته وذكائه وقد كَتبْتُ فيه أُطروحة للدكتوراه، ونشرتها بعنوان: الإمام أبو الحسن الدَّارَقطْنيّ وآثاره العلمية-وسقط مِن العنوان عبارة: مع دراسة تفصيلية عن كتابه السنن، جدّة، دار الأندلس الخضراء، ط.الأولى، 1421هـ-2000م. (عبد الله بن ضيف الله الرحيلي)

(8) - هذا من باب المبالغة وإلا فكلاهما إمام .

ولتقرير أصحية صحيح البخاري وتقديمه على صحيح مسلم يُنظر الفصل الثاني مِن هدْي الساري، وتدريب الراوي، للسيوطي، 88-98.

(9) - قوله: بطريق اللزوم، هذا نوعٌ مِن أنواع الدلالة، إذْ أنّ أنواع الدلالة هي: دلالة اللزوم، ودلالة التضمن، ودلالة المطابقة، فكما قُبِلَ صحيحاهما فقد صار مِن لازمِ ذلك تعديل رواتهما، وهذا دليلٌ على أن ما كان على شرطهما يأتي بعد ما أخرجاه.

(10) - هذا إذا جاءت الرواية عنهم بنفس الكيفية التي رَوى لهم بها الشيخان، وهي تتناول النظر إلى أمرين:

الأول: مراعاة ذلك الترتيب بين التلاميذ والشيوخ الوارد في الصحيحين، أَيْ: مطابقة الرواية لروايته، بأن يكون التلاميذ هم التلاميذ، والشيوخ هم الشيوخ.

الثاني: التدقيق في صفة الرواية عن هذا الراوي في الصحيحين هل جاءت على وجْه الاحتجاج به أم لا؟ إذْ لا يَصْدُقُ شرطُهما إلا على ما رويا له احتجاجًا.

(11) - أَيْ: في منزلته.

(12) - انظر: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 36) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 25) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 8) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 5) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 43) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 71) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 71)

(13) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 32)

(14) - انظر توجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 1 / ص 38)

(15) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 82)

(16) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 4) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 8) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 5)

(17) -تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 83)

(18) - تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 8)

(19) - التعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت