فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 522

قبل أن أذكر نماذج من أعيان من يعتمد قولهم في الجرح والتعديل، يحسن أن أذكر صفة من يقبل منه الجرح والتعديل.

أولا: صفة من يقبل منه الجرح والتعديل:

-أن يكون المتكلم عارفًا بمراتب الرجال، وأحوالهم في الانحراف والاعتدال، ومراتبهم من الأقوال والأفعال [1] :

-أن يكون من أهل الورع والتقوى:

ذلك أن الورع، والتقوى يمنعانه من القول في الرجال بغير علم، ويمنعه الورع والتقوى من الجور والحيف في القول فيمن يتكلم فيه، فلا يقول فيه إلا الحق والصدق.

كما أن الورع والتقوى يجعله لا يخاف في الله لومة لائم، ويحمله على أن لا يحابي أحدا في هذا المجال، بل يقدِّم الاحتياط لسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من يحبُّه أو يقرِّبه.

-أن يكون مجانبًا للعصبية والهوى.

إن صاحب الهوى يحمله هواه أن يجرح الثقة، أو يوثق الضعيف، وصاحب الهوى غالبا ما يسوقه هواه إلى الضلال. قال الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (50) سورة القصص، أي: لا أحد أضلَّ ممن اتبع هواه بغير هدى.

ومن الهوى الذي يمكن أن يسوق الإنسان إلى أن يقول في أخيه ما لا يقتضيه حاله ما يقع بين الفرق من اتهام كل منها الفرقة الأخرى.

-أن يكون المعدِّلُ والمجرِّحُ خاليًا من التساهل والتشدُّدِ:

ذلك أن تساهل المجرح يقتضي أن يوثق الضعيف، وقد يؤدي به تساهله إلى أن يحسن الظن بكل أحد، ومن ثم يوثقه، وهذا ينافي كمال الاحتياط لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وكذلك فإن التشدد في جرح الرواة يؤدي إلى إهدار كثير من السنة النبوية ، كما فعله الكثيرون اليوم ، فردوا كثيرا من الأحاديث المقبولة لاتباعهم منهج المتشددين في الجرح والتعديل .

-أن يكون عاريًا عن غرض النفس بالتحامل:

وهذا التحامل للغرض النفسي، يحصل غالبًا بين الأقران من العلماء، وليس كل العلماء بل بعضهم، ذلك أن العصمة لله ثم لرسله - عليهم الصلاة والسلام-.

وقد ذكر أهل العلم في هذا المجال، مجال الكلام بين الأقران عدة مواقف، منها:

الموقف الذي وقع بين هشام بن عروة وابن إسحاق، عَنْ مُحَمَّدِ بن إِسْحَاقَ، عَنْ فَاطِمَةَ بنتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بنتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا سَمِعْتِ امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي ضَرَّةً وَإِنِّي أَتَشَبَّعُ مِنْ زَوْجِي بِمَا لا يُصِيبُنِي أَغِيظُهَا بِذَلِكَ، فَهَلْ عَلَى فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ:الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ. [2] .

وكان هشام ينكرُ على ابن إسحاق روايته عنها ويقول: لقد دخلت بها وهي بنت تسع سنين، وما رآها مخلوق حتى لحقت بالله عز وجل .

وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سألت هشام بن عروة عن محمد بن إسحاق، فقلت: كان يدخل على فاطمة بنت المنذر؟ فقال: أهو كان يصل إليها؟. وفي رواية: والله إن رآها قط [3] .

قال عبد الله بن أحمد: فحدثت أبي بحديث ابن إسحاق، فقال: وما ينكر هشام، لعله جاء فاستأذن عليها، فأذنت له، أحسبه قال: ولا يعلم [4] .

والموقف الذي وقع بين مالك وابن إسحاق أيضًا، ذلك أن محمد بن إسحاق، كان يزعم أن مالكًا من موالي ذي أصبح، وكان مالك يزعم أنه من أنفسهم، فوقع بينهما لهذا مفاوضة، فلما صنف مالك الموطأ، قال ابن إسحاق: ائتونى به، فإني بيطاره، فنقل ذلك إلى مالك [5] فقال: هذا دجال من الدجاجلة، يروي عن اليهود، وكان بينهم ما يكون بين الناس [6] .

قال ابن عدي في آخر ترجمته [7] :

"ولمحمد بن إسحاق حديث كثير وقد روى عنه كثرة الناس شعبة والثوري وابن عيينة وحماد بن سلمة وغيرهم وقد روى المغازي عنه إبراهيم بن سعد وسلمة بن الفضل ومحمد بن سلمة ويحيى بن سعيد الأموي وسعيد بن بزيع وجرير بن حازم وزياد البكائي وغيرهم وقد روى المبتدأ والمبعث قال الشيخ ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن كتب لا يحصل منها شئ فصرف اشغالهم حتى اشتغلوا بمغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبتدأ الخلق اتركوهن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذه فضيلة لابن إسحاق سبق بها ثم بعده صنفه قوم آخرون ولم يبلغوا مبلغ بن إسحاق فيه وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف وربما أخطأ أو وهم في الشئ بعد الشئ كما يخطئ غيره ولم يتخلف عنه في الرواية عنه الثقات والأئمة وهو لا بأس به"

وقال ابن حبان [8] :

"محمد بن إسحاق بن يسار مولى عبد الله بن قيس بن مخرمة كان جده من سبى عين التمر وهو أول سبى دخل المدينة من العراق كنيته أبو بكر ممن عنى بعلم السنن وواظب على تعاهد العلم وكثرت عنايته فيه وجمعه له على الصدق والإتقان يروى عن مشايخ قد رآهم ويروى عن مشايخ عن أولائك وربما روى عن أقوام رووا عن مشايخ يروون عن مشايخه يدلُّ ما وصفت من توقيه على صدقه مات ببغداد سنة خمسين ومائة وكان من أحسن الناس سياقا للأخبار وأحفظهم لمتونها"

ومن ذلك الموقف الذي وقع بين النسائي وأحمد بن صالح المصري -رحمهما- الله، فقد كان النسائي يضعفه، قيل: إن أحمد المصري طرد النسائي من مجلسه، فحقد عليه النسائي [9] .

كل هذا كان يقع بين بعض المحدثين أصحاب الحديث؛ لأنهم ليسوا معصومين.

قَالَ شُعْبَةُ:"احْذَرُوا غَيْرَةَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , فَلَهُمْ أَشَدُّ غَيْرَةً مِنَ التُّيُوسِ"

قال الخطيب: وَمَذَاهِبُ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ غَامِضَةٌ دَقِيقَةٌ , وَرُبَّمَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّاوِي أَدْنَى مَغْمَزٍ فَتَوَقَّفَ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوجِبًا لِرَدِّ الْحَدِيثِ وَلَا مُسْقِطًا لِلْعَدَالَةِ , وَيَرَى السَّامِعُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ هُوَ الْأَوْلَى رَجَاءَ إِنْ كَانَ الرَّاوِي حَيًّا أَنْ يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّحَفُّظِ وَضَبْطِ نَفْسِهِ عَنِ الْغَمِيزَةِ , وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا أَنْ يُنْزِلَهُ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ مَنْزِلَتَهُ , فَلَا يُلْحِقُهُ بِطَبَقَةِ السَّالِمِينَ مِنْ ذَلِكَ الْمَغْمَزِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِلدِّينِ إِشَاعَةَ مَا سَمِعَ مِنَ الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ الَّذِي لَا يُوجِبُ إِسْقَاطَ الْعَدَالَةِ بِانْفِرَادِهِ , حَتَّى يُنْظَرَ هَلْ لَهُ مِنْ أَخَوَاتٍ وَنَظَائِرَ , فَإِنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ وَطَبَائِعَهُمْ جَارِيَةٌ عَلَى إِظْهَارِ الْجَمِيلِ وَإِخْفَاءِ مَا خَالَفَهُ , فَإِذَا ظَهَرَ أَمْرٌ يُكْرَهُ مُخَالِفٌ لِلْجَمِيلِ , لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ شِبْهٌ لَهُ". وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْعَدَالَةِ:"مَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ , وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ , وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ , وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتِي حَسَنَةٌ" [10] ."

-أن يكون المجرِّح أو المعدِّل عدلًا في نفسه:

فإن المجروح في نفسه لا يقوِّم غيره، وقد يكون أوثق منه، وهذا عابه المحدثون على أبي الفتح الأزدي [11] ، لما كثر طعنه في الرواة، وعابوا على أناس آخرين لكونهم ضعفاء، فضعفوا غيرهم أو وثقوهم، وفاقدُ الشيء لا يعطيه كما قالوا.

قال حمزة السهمي: سألت أحمد بن عبدان عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش يقبل قوله؟ [12]

قال: لم أسمع فيه شيئًا، سألت أبا زرعة: محمد بن يوسف الجرجاني عن عبد الرحمن بن خراش، فقال: كان أخرج مثالب الشيخين وكان رافضيًا، [13] على أن ابن خراش قبل أكثر العلماء أقواله في الجرح والتعديل، وقد نقل ابن حجر والذهبي عنه كثيرًا، ونقلت عنه في تراجم الرجال.

وقال ابن حجر في ترجمة خثيم بن عراك بن مالك الغفاري: وثقه النسائي وابن حبان والعقيلي، وشذ الأزدي، فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي وأفرط، فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزدي ضعيف، فكيف يقبل منه تضعيف الثقات [14] .

-أن يكون المعدِّل أو المجرِّح عارفًا بهذا الشأن:

أي: يكون من يتصدى للتضعيف والتوثيق، من أهل الحديث البارعين فيه العارفين بمخارج الحديث، وطرق الرواية، وأنواع التحمل وكيفية الأداء، ونحو ذلك، ولو كان غير متخصص في هذا العلم فإنه لا يمكنه الطعن في الرواة أو توثيقهم بما لا يقتضيه حالهم.

نقل السخاوي عن جمهور أهل العلم أنه إذا جرح من لا يعرف الجرح يجب الكشف عن ذلك ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن [15] .

قال: والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالمًًا كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكَّى عدلًا، وعزاه إلى القاضي أبي بكر الغزالي في المستصفي [16] ،

وقال الخطيب [17] :

"وقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ إِنْسَانًا يَقُولُ لِأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ: عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ضَعِيفٌ ؟ قَالَ:"إِنَّمَا يُضَعِّفُهُ رَافِضِيُّ مُبْغِضٌ لِآبَائِهِ , وَلَوْ رَأَيْتَ لِحْيَتَهُ وَخِضَابَهُ وَهَيْئَتَهُ لَعَرَفْتَ أَنَّهُ ثِقَةٌ"فَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ ثِقَةٌ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً , لِأَنَّ حُسْنَ الْهَيْأَةِ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعَدْلُ وَالْمَجْرُوحُ , وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْعَدَالَةِ , بَلْ يُقْبَلُ عَلَى الْجُمْلَةِ تَعْدِيلُ الْمُخْبِرِ وَالشَّاهِدِ , وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرْجَعُ فِي التَّعْدِيلِ إِلَّا إِلَى قَوْلِ عَدْلٍ رِضًا , عَارِفٍ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْعَدْلُ عَدْلًا وَالْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ فِي التَّزْكِيَةِ عَلَى السَّلَامَةِ , وَمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ الَّتِي أَوْجَبَتِ الرُّجُوعَ إِلَى تَزْكِيَتِهِ , مِنِ اعْتِقَادِ الرِّضَا بِهِ وَأَدَائِهِ الْأَمَانَةَ فِيمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فِيهِ , وَالْعَمَلِ بِخَبَرِ مَنْ زَكَّاهُ , وَمَتَى أَوْجَبْنَا مُطَالَبَتَهُ بِكَشْفِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ صَارَ عَدْلًا عِنْدَهُ , كَانَ ذَلِكَ شَكًّا مِنَّا فِي عِلْمِهِ بِأَفْعَالِ الْمُزَكَّى وَطَرَائِقِهِ , وَسُوءَ ظَنٍّ بِالْمُزَكِّي وَاتِّهَامًا لَهُ بِأَنَّهُ يَجْهَلُ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يَصِيرُ الْعَدْلُ عَدْلًا , وَمَتَى كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ عِنْدَنَا لَمْ يَجِبْ أَنْ نَرْجِعَ إِلَى تَزْكِيَتِهِ , وَلَا أَنْ نَعْمَلَ عَلَى تَعْدِيلِهِ , فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْجُمْلَةِ . فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ وُجُوبِ اسْتِخْبَارِ الْمُزَكِّي عَنْ سَبَبِ تَعْدِيلِهِ , لَا لِاتِّهَامِنَا لَهُ بِالْجَهْلِ بِطَرَائِقِ الْمُزَكَّى وَأَفْعَالِهِ , وَلَكِنْ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا بِهِ يَصِيرُ الْعَدْلُ عَدْلًا , فَيَجُوزُ أَنْ يُعَدِّلَهُ بِمَا لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ عِنْدَ غَيْرِهِ . يُقَالُ: هَذَا بَاطِلٌ , وَحَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى السَّلَامَةِ وَاجِبٌ , وَأَنَّهُ مَا عَدَّلَهُ إِلَّا بِمَا بِهِ يَصِيرُ عَدْلًا عِنْدَ بَعْضِ الْأُمَّةِ , وَمِثْلُ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ لَا يُتَعَقَّبُ وَلَا يُرَدُّ , وَلَوْ كَانَ مَا قُلْتُمُوهُ مِنْ هَذَا وَاجِبًا لَوَجَبَ إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّ زَيْدًا بَاعَ عَمْرًا سِلْعَةً بَيْعًا صَحِيحًا وَاجِبًا نَافِذًا يَقَعُ التَّمَلُّكُ بِهِ , وَأَنَّهُ قَدْ زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ تَزْوِيجًا صَحِيحًا , أَنْ يُسْأَلَا عَنْ حَالِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ , وَعَنْ كُلِّ عَقْدٍ يَشْهَدَانِ بِهِ , لِمَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْخِلَافِ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ وَصِحَّتِهَا وَتَمَامِهَا , وَلَمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ كَشْفُهُ لِلْحُكَّامِ , وَجَبَ مِثْلُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَيْضًا , فَإِنَّ أَسْبَابَ الْعَدَالَةِ كَثِيرَةٌ يَشُقُّ ذِكْرُ جَمِيعِهَا , وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْمُزَكِّي الْإِخْبَارُ بِهَا لَكَانَ يُحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي: هُوَ عَدْلٌ لَيْسَ يَفْعَلُ كَذَا , وَلَا كَذَا , وَيَعُدُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ , ثُمَّ يَقُولُ: وَيَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا , وَيَعُدُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ . وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَطُولُ وَيَشُقُّ تَفْصِيلُهُ , وَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ التَّعْدِيلُ مُجْمَلًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ . فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ تَرْكُ الْكَشْفِ عَمَّا بِهِ يَصِيرُ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , وَأَنْ تَقْبَلُوا الْجَرْحَ فِي الْجُمْلَةِ , يُقَالُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ , لِأَنَّ الْجَرْحَ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ , فَلَا يَشُقُّ ذِكْرُهُ , وَالْعَدَالَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ , حَسَبَ مَا بَيَّنَّاهُ , وَالْإِخْبَارُ بِهَا يُحْرِجُ , فَلِذَلِكَ كَانَ الْإِجْمَالُ فِيهَا كَافِيًا , عَلَى أَنَّا نَقُولُ أَيْضًا: إِنْ كَانَ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْجَرْحِ عَدْلًا مَرْضِيًّا فِي اعْتِقَادِهِ وَأَفْعَالِهِ , عَارِفًا بِصِفَةِ الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ وَأَسْبَابِهِمَا , عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي أَحْكَامِ ذَلِكَ , قُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَنْ جَرَحَهُ مُجْمَلًا , وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ سَبَبِهِ , وَسَنَشْرَحُ الْأُمُورَ الَّتِي تُوجِبُ الْجَرْحَ وَاخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهَا , وَنُبَيِّنُهَا فِيمَا بَعْدُ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى"

-أن يكون المعدِّل أو المجرِّح عارفًا بالأسباب التي يجرح من أجلها الإنسان:

إذا كان المجرِّح أو المعدِّل لا يعرف أسباب الجرح، والتعديل، فإنه قد يجرح أو يعدِّل بغير أسبابهما.

فهناك أمور لا يستدلُّ بها على التعديل، كما توجد أسباب لا يجرح بها. قال أحمد بن يونس عن عبد الله بن عمر بن حفص العمري: لو رأيت هيئته لعرفت أنه ثقة.قال أهل العلم عن قوله هذا لا عبرة به؛ لأنه استدلَّ بهيئة عبد الله على توثيقه، والهيئة لا يستدلُّ بها على التوثيق.

فقد يأتي العامي في لباس العلماء وهيئتهم وهو عامي لا يعرف من العلم شيئًا كما أن أكثر العلماء يتحلون بالزهد والورع، فيلبسون الثياب الرثة البالية حتى لا يخطر في البال أنه من العلماء، فإذا تكلم عرف علمه وفقهه.

قال ابن عمار عن يحيى بن سعيد القطان: كان إذا نظرت إليه ظننت أنه لا يحسن شيئا، فإذا تكلم أنصت له الفقهاء [18] .

وكذلك في باب الجرح فإن رواة ضُعفوا أيضًا بشيء لا يقتضي التضعيف، ومن ذلك: قِيلَ لِشُعْبَةَ: لِمَ تَرَكْتَ حَدِيثَ فُلَانٍ ؟ قَالَ:"رَأَيْتُهُ يَرْكُضُ عَلَى بِرْذَوْنٍ فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ" [19] .

عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: أَتَيْتُ مَنْزِلَ مِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو فَسَمِعْتُ مِنْهُ صَوْتَ الطُّنْبُورِ , فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ , قُلْتُ: وَهَلَّا سَأَلْتَهُ , فَعَسَى كَانَ لَا يَعْلَمُ [20] .

ثانيا- تسمية من تكلم بالرجال

قال الذهبي: فنشرع الآن في تسمية من كان إذا تكلم في الرجال قبل قوله ورجع إلى نقده، قال:ونسوق من يسر الله تعالى منهم على الطبقات والأزمنة، والله الموفق للسداد بمنه.

الطبقة الأولى: ذكر الذهبي منهم مجموعة وصل عددهم إلى سبع وثلاثين رجلا، ومنهم:

1-أبو عمر عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، المتوفى سنة (157) هـ.

2-مسعر بن كدام المتوفى سنة (155أو 153) هـ.

3-شعبة بن الحجاج، أبو بسطام العتكي المتوفى سنة (160) هـ.

4-سفيان بن سعيد الثوري، المتوفى سنة (161) هـ.

5-شعيب بن أبي حمزة المتوفى سنة (162) هـ.

6-حماد بن سلمة، المتوفى سنة (167) هـ.

7-أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري المتوفى سنة (165) هـ.

8-إبراهيم بن طهمان المتوفى سنة (168) هـ.

9-مالك بن أنس الأصبحي، المتوفى سنة (179) هـ.

10-حماد بن زيد المتوفى سنة (179) هـ.

الطبقة الثانية:ذكر مجموعة وصل عددهم إلى ثمان وخمسين رجل، ونقتصر على أشهرهم:

1-عبد الله بن المبارك، أبو عبد الرحمن المروزي، المتوفى سنة (181) هـ.

2-يزيد بن زريع البصرري، أبو معاوية البصري المتوفى سنة (182) هـ.

3 -علي بن مسهر القرشي الكوفي قاضي الموصل، المتوفى سنة (189) هـ.

4 -مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله الكوفي، المتوفى سنة (193) هـ.

5 -معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان االعنبري، أبو المثنى البصري، المتوفى سنة (196) هـ.

6-وكيع بن الجراح بن مليح أبو سفيان الرؤاسي، المتوفى سنة (197) هـ.

7-سفيان بن عيينة بن أبي عمران، أبو محمد الهلالي المتوفى سنة (198) هـ.

8-يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي، أبو سعيد القطان، المتوفى سنة (198) هـ.

9-حماد بن أسامة أبو أسامة القرشي مولاهم الكوفي، المتوفى سنة (201) هـ.

10-يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، المتوفى سنة (206) هـ.

الطبقة الثالثة: ذكر فيها مجموعة وصل عددهم واحدا وسبعين رجلا، فمن أشهرهم:

1-عبد الله بن إدريس بن يزيد، أبو محمد الأودي الكوفي، المتوفى سنة (192) هـ.

2-عبد الرحمن بن مهدي بن حسان، أبو سعيد العنبري البصري، المتوفى سنة (198) هـ.

3-محمد بن إدريس بن العباس المطلبي، أبو عبد الله الشافعي، المكي نزيل مصر، المتوفى سنة (204) هـ.

4-الفضل بن دكين، أبو نعيم الملائي، المتوفى سنة (213) هـ.

5-عبد الأعلى بن مسهر، أبو مسهر الغساني الدمشقي، المتوفى سنة (218) هـ.

6-عبد الله بن الزبير، أبو بكر المكي، المعروف بالحميدي، المتوفى سنة (219) هـ.

7-موسى بن إسماعيل، أبو سلمة، التبوذكي، المتوفى سنة (223) هـ.

8-هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري، المتوفى سنة (227) هـ.

الطبقة الرابعة:هذه الطبقة ذكر فيها مائة وثلاث رواة ممن يعتمد قولهم في الجرح والتعديل، وأنا أذكر بعض أشهرهم:

1-يحيى بن معين، أبو زكريا، المتوفى سنة (233) هـ، وقد سأله في الجرح والتعديل: عباس الدوري، وعثمان الدارمي، وأبو حاتم وطائفة.

2-زهير بن حرب، أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد، المتوفى سنة (234) هـ.

3-علي بن عبد الله بن نجيح المديني، المتوفى سنة (234) هـ قال البخاري عنه: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن المديني.

4-محمد بن عبد الله بن نمير، أبو عبد الرحمن الكوفي المتوفى سنة (234) هـ.

5-إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبو محمد المعروف بابن راهويه، المتوفى سنة (238) هـ.

6-أحمد بن حنبل الشيباني الإمام المتوفى سنة (241) هـ، وقد سأله جماعة من تلاميذه عن الرجال، منهم: ابنه عبد الله.

7-محمد بن عبد الله بن عمار، أبو جعفر الموصلي، المتوفى سنة (242) هـ. وقد نوقشت رسالة في جامعة الإمام بعنوان: الحافظ ابن عمار الموصلي، ومنهجه في الكلام على رواة الأخبار، من قبل الطالب: جلول بن إبراهيم سالمي، وذلك عام ألف وأربعمائة وخمس وعشرين.

8-أحمد بن صالح المصري، المعروف بابن الطبري، المتوفى سنة (248) هـ وكان قليل المثل، قال الذهبي: قد آذى النسائي نفسه بالكلام فيه.

9-عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أبو محمد السمرقندي، المتوفى سنة (255) هـ.

الطبقة الخامسة:وهذه الطبقة ذكر فيها ثمان وثمانين رجلا، ولعل من أشهرهم:

1-سليمان بن داود أبو داود الطيالسي، البصري المتوفى سنة (204) هـ.

2-عبيد الله بن عبد الكريم، أبو زرعة الرازي، المتوفى سنة (264) هـ.

3-محمد بن إسماعيل، أبو عبد الله البخاري، المتوفى سنة (256) هـ.

4-محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي، النيسابوري، المتوفى سنة (258) هـ.

5-مسلم بن الحجاج القشيري، النيسابوري، المتوفى سنة (261) هـ.

6-سليمان بن الأشعث، أبو داود االسجستاني، المتوفى سنة (275) هـ.

(1) - انظر: هذه الفقرات كلها في مقدمة الرد الوافر لابن ناصر الدين).

(2) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 17 / ص 376) ( 19831 ) صحيح

(3) - انظر: العلل (2: 303) .

(4) - انظر: تهذيب التهذيب (9: 40) .

(5) - وكذلك يفعل كثير من طلاب العلم هداهم الله، ينقلون الأخبار بين العلماء، وكثيرًا ما يزيدون، فتقع بينهم الشحناء والبغضاء.

(6) - ثقات ابن حبان (7: 382) .

(7) - الكامل لابن عدي - (ج 6 / ص 112)

(8) - مشاهير علماء الأمصار [ ج 1 - ص 139 ] (1105 )

(9) - انظر: تهذيب الكمال (1: 46) .

(10) - الكفاية (ص: 109) رقم (296)

(11) - أَبُو الفَتْحِ الأَزْدِيُّ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ ،الحَافِظُ، البَارعُ، أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ بُرَيْدَةَ الأَزْدِيُّ المَوْصِلِيُّ، صَاحبُ كِتَابِ (الضُّعَفَاءِ) وَهُوَ مُجَلَّدٌ كَبِيْرٌ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ:كَانَ حَافِظًا،صَنَّفَ فِي عُلُومِ الحَدِيْثِ، وَسَأَلتُ البَرْقَانِيَّ عَنْهُ فَضَعَّفَهُ، وَحَدَّثَنِي أَبُو النَّجِيْبِ عَبْدُ الغفَّارِ الأُرْمَوِيُّ، قَالَ:رَأَيْتُ أَهْلَ المَوْصِلِ يوهِّنُوْنَ أَبَا الفَتْحِ وَلاَ يعدُّوْنَهُ شَيْئًا.

قَالَ الخَطِيْبُ:فِي حَدِيْثِهِ مَنَاكِيرُ.

قُلْتُ:وَعَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ فِي (الضُّعَفَاءِ) مُؤَاخذَاتٌ، فَإِنَّهُ ضَعَّفَ جَمَاعَةً بِلاَ دليلٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرُهُ قَدْ وَثَّقَهُمْ.

مَاتَ:فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.سير أعلام النبلاء (16/348-350) (250 )

(12) - يعني: في الجرح والتعديل.

(13) - سؤالات حمزة السهمي (ص: 241) وموسوعة أقوال الدارقطني - (ج 23 / ص 443)

(14) - هدي الساري (ص: 400) .

(15) - فتح المغيث (1: 307) .

(16) - انظر المستصفى (ص: 188) .

(17) - الكفاية (254)

(18) - تاريخ بغداد14: 140).

(19) - الكفاية (275 )

(20) - فتح المغيث (1: 302) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت