المبحثُ التاسع
رد الإمام السندي الحنفي رحمه الله على من يقول: ليس لمثلنا أن يفهم الحديث
قال الفلاني [1] :"والعجب من الذي يقول أمرُ الحديث عظيم وليس لمثلنا أن يفهم ، فكيف يعمل به ؟"
وجوابه بعد أن فرضنا موافقة فهمه لفهم ذلك العالم الذي يعتدُّ بعلمه وفهمه بالإجماع أنه إن كان المقصودُ بهذا تعظيم الحديث وتوقيره فالحديث أعظم وأجل، لكن من جملة تعظيمه وتوقيره أنه يعملُ به ويستعملُ في مواده ،فإن ترك المقالات به إهانة له نعوذ بالله منه ،وقد حصل فهمه على الوجه الذي هو مناط التكليف حيث وافق فهم ذلك العالم، فتركُ العمل بذلك الفهم لا يناسب التعظيم والإجلال ، فمقتضى التعظيم والإجلال الأخذُ به لا بتركه ،وإن كان المقصودُ مجردَ الردِّ عن نفسه بعد ظهور الحق، فهذا لا يليق بشأن مسلمٍ، فإن الحقَّ أحقُّ بالاتباع، إذ لا يعلم ذلك الرجل أن الله عز وجل قد أقام برسوله - صلى الله عليه وسلم - الحجةَ على من هو أغبى منه من المشركين، الذين كانوا يعبدون الأحجار ،وقد قال تعالى فيهم: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (179) سورة الأعراف ، فهل أقام عليهم الحجة من غير فهم ؟!! أو فهموا كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن فهمَ هؤلاءِ الأغبياء فكيف لا يفهم المؤمنُ مع تأييد الله تعالى له بنور الإيمان ،وبعد هذا فالقول بأنه لا يفهمُ قريبٌ من إنكار البديهيات ،وكثير ممن يعتذر بهذا الاعتذار يحضر دروس الحديث أو يدرس الحديث فلولا فهم أو أفهمَ كيف قرأ أو أقرأ ،فهل هذا إلا من باب مخالفة القولِ الفعلَ ،والاعتذارُ بأنَّ ذلك الفهم ليس مناطًا للتكليف باطلٌ، إذ ليس الكتاب والسنة إلا لذلك الفهم ،فلا يجوز الاستعمال بهما والبحث عنهما بالنظر إلى المعاني التي لا يعملُ بهما ،كيف وقد أنزل الله تعالى كتابه الشريف للعمل به وتعقل معانيه ثم أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالبيان للناس عموما فقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (2) سورة يوسف ،وقال { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (44) سورة النحل ، فكيف يقال: إن كلامه - صلى الله عليه وسلم - الذي هو بيانٌ للناس غيرُ مفهوم لهم إلا لواحد منهم، بل في هذا الوقت ليس مفهومًا لأحد بناءا على زعمهم أنه لا مجتهد في الدنيا منذ كم سنين، ولعل أمثالَ هذه الكلمات صدرت من بعض من أراد أن لا ينكشفَ حقيقةُ رأيه للعوام ،بأنه مخالفٌ للكتاب والسنَّة،فتوصل إلى ذلك بأن جعل فهم الكتاب والسنة على الوجه الذي هو مناطٌ للأحكام مقصورٌ على أهل الاجتهاد ، ثم نفى عن الدنيا أهلَ الاجتهاد، ثم شاعت هذه الكلماتُ بينهم ،والله أعلمُ بحقيقة الأمر، ولعل بعضهم لما رأى أنه إن منع ذلك يمكنُ أن يميلَ بعضٌ إلى ترجيحٍ بعضِ المذاهب الموافقة لظاهر الكتاب والسنة فيأخذها زادَ على ذلك عدمُ جواز الانتقالِ من مذهبٍ إلى مذهبٍ، وعدمُ التلفيق ونحوه، لئلا يجدَ الناسُ إلى الترجيح سبيلًا ،حتى قال قائل منهم: إن العاميَّ إذا انتقل من مذهبه يصيرُ أفسقَ الفاسقين ،وإذا انتقل العالمُ يصيرُ مبتدعًا وضالًّا ، فبذلك لا يطمعُ أحدٌ في الترجيح، لما يرى أنه لا فائدة تترتب عليه، ومعلومٌ عند أهل البصائر أن مثال هذه المقالاتِ لا عينٌ منها في دين الله تعالى ولا أثرٌ ، بل كثيرٌ منها مخالفٌ للعقل والنقل ،ومع ذلك فترى كثيرا من أهل الفهم ينحرفون عن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،مع أنها فرض لازم لقوله تعالى" { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ } (64) سورة النساء، ونحوه ولا يلتفتون إلى كلامه الذي يرويه الثقات الأثبات عنه - صلى الله عليه وسلم - بأسانيدَ صحاحٍ ثابتةٍ إلى رواياتٍ من أصحابِ المذاهب المذكورة في كتب المذهبِ ،من غير إسنادٍ ، وكثيرٌ من أهل الكتاب يخالفون في نقل تلك الروايات أيضا لعدم الإسناد اعتمادا على هذه الكلمات الشائعةِ بينهم، فإذا رأوا أحدا يميلُ إلى ترجيح قول إمامٍ بالحديث والكتاب يعدُّونه ضالًّا مبتدعًا ، فانظر إلى أمثال هذه الحوادث فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا أقل أن يعرف الرجلُ أن هذه الكلمات الشائعة هل هي أقوالٌ للمجتهدين من علماء الدينِ، أو هي لبعض المقلِّدين غير المعتمدينَ، فإن كانت للمجتهدين فلا بدَّ أن يعرف أنها لمنْ ، ونحن نجزمُ بأن أمثالَ هذه الكلمات لا يمكن أن تكون من العقلاءِ فضلًا عن أهل الاجتهاد، وكيف يسوغُ لمسلمٍ أن يتفوه بكلام في دين الله تعالى من غير أن يقوم به حجَّةٌ وبرهانٌ من الله تعالى ، وإن كانتْ للمقلدين فكيفَ يجتمعُ الاعتماد عليها عندهم ،مع اعتقاد أن لا عبرةَ بفهم المقلِّدين أصلًا ، فانتقض أحدُ الأمرين بالآخر ، وأعجبُ من هذا أن كثيرا منهم يتوقفُ على أن العلماء مذهبهم هل جوزوا العملَ بالحديث أم لا ؟ فنظنَّ أنه لا يصحُّ العمل بالسنَّة إلا بقول عالمٍ بهِ ، فنقول: إن قول العلماء يحتاجُ في ثبوته وصحته وكونه يصلح للعمل بهِ إلى الكتابِ والسنَّة، حتى إن ما خالف الكتاب والسنَّةَ ولا يوافقُهما بردُّ أولا، ترى كتب الفقهاء يقولون في كل قول وحكم لقول الله عز وجل أو لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف يحتاج العملُ بالكتاب والسنَّة إلى قول العلماءِ، وهل هذا إلا شبهُ الدورِ الممنوعِ وقلبٌ للمعقولِ ونقضٌ للأصولِ ، وجعلُ الفروع أصلًا والأصلَ فرعًا ، فهذا الذي ذكرنا يفيد أن جواز العمل بالحديث لمن فرضنا له من أجل البديهيات ، ومع ذلك فالروايةُ والدرايةُ سوى هذا الذي ذكرنا متوافقاتٌ على ذلك ، فمن الرواية ما ذكر في الهداية بقوله لأن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينزل عن قول المفتي، وفي الكافي والحميدي أي لا يكون أدنى درجة من قول المفتي، وقول المفتي يصلحُ دليلًا شرعيًّا أي للعاميِّ، فقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى ، وهذا الذي ذكر في الهداية أنه مذهب محمد ذكر في محيط السرخسي وغيره أنه قول أبي حنيفة ومحمد ،فيلزم منه جواز العملُ للعاميِّ بالحديث عندهما مطلقًا من غير اشتراط أنه أخذ به من يعتدُّ بعلمه ،إذ يجوز للعامي الأخذ بقول المفتي بل يجبُ عليه كما قال في الفتح أن الحكم في حق العامي فتوى مفتيه، وفي البحر أن مذهب العامي فتوى مفتيه من تقيد بمذهب، فكيف لا يجوز أولا يجبُ عليه العملَ به إذا علم أنه أخذ به من يعتدُّ بعلمه ،لإجتماع الفتوى والحديث حينئذ في حقه."
وذكر في الخزانة عن الروضة الزندويسية سئل أبو حنيفة إذا قلت قولًا وكتابُ الله يخالفه قال اتركوا قولي لكتاب الله فقيل إذا كان خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،وذكر في المثانة عن الروضة الزندويسية عن كل من أبي حنيفة ومحمد أنه قال: إذا قلت قولا يخالف كتاب الله وخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فاتركوا قولي.
وذكر ابن الشحنة في نهاية النهاية أنه صح عن أبي حنيفة أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي ، ذكره الشيخ إبراهيم البيدي في رسالة له في منع الإشارة في التشهد ، وأما ما اشتهر عن الشافعي أنه قال: إذا صح الحديث على خلاف قولي فاضربوا قولي بالحائط أو نحوه ، فذلك معلوم مذكور في كتب أصحاب مذهبه ،وقد بنى أصحابه المذهب على طبق هذا الكلام ، فكلما أورد عليهم حديث ورأوا قول الشافعي مخالفًا له أخذوا به وتركوا قوله ،وجعلوا ذلك مذهبهم قال بعض أصحاب التحقيق في رسالة له في علم أصول الحديث في تحقيق الحديث الضعيف أنه يجوز عند العلماء التساهل في رواية الضعيف دون الموضوع بأن لم يبين ضعفه في المواعظ والقصص وفضائل الأعمال لا في صفات الله تعالى وأحكام الحرام والحلال، قيل كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه ، وأبو داود كان يأخذ مأخذه ويخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ويرجحه على رأي الرجال.
وعن الشعبي ما حدثك هؤلاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فخذ به وما قالوه برأيهم فالقه في الحش ، وقال: الرأي بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلتها ، وعن الشافعي مهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ماقلت، فالقول ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قولي وجعل يردده .انتهى كلامه.
وفي الباب روايات يطولُ الكلام بذكرها، وقد جمع بعض أهل التحقيق في رسالته في بيان جواز العمل بالحديث للعامي رواياتُ أهل المذهبين ، ثم قال: والذي يظهر لي بعد التأمل في مأخذ المسألة روايةً ودرايةً أن العملَ بما هو دليل شرعيٌّ في ذاته إذا احتمل عروض عارض مانع من العمل به كالحديث الذي وصل إلى العامي إذا احتمل أن يكون منسوخا أو مخالفا للإجماع جائز إذا كان الاحتمال غير ناشئ عن دليل ،وأما إذا كان ناشئا عن دليل فمحل توقف ، ولو قيل: إن عدم جواز العمل حينئذ ما لم يفتش عن ذلك الاحتمال فله نوع قرب والله تعالى أعلم. انتهى.
قلت: وقد يضرُّ فيما إذا وافق العاميُّ مجتهدًا في فهم الحديث ، وعلم أن المجتهدَ أخذ به كما هو المفروض فيما نحن فيه، كما تقدم تحقيقه ولا يخالفُ جواز العمل أو وجوبَه على العامي في صورة مفروضة ما ذكره ابن الحاجب في مختصر الأصول، أنه يجب على العامي تقليدُ مجتهدٍ لظهور أنه يحصل للعامي في الصورة في العمل بالحديث تقليد من أخذ بذلك الحديث أيضا ،على أنه في محل التأمل عند أصحابنا بناءا على ما ذكرنا أن كلام الله يفيدُ جوازَ الأخذِ به للعامي من غير اشتراطٍ ، فهذا تحقيقُ الكلام في الرواية على وجه الاختصارِ، وأما الدرايةُ فالنظرُ في الدليل يعطي الجواز مطلقًا فكيف مع ذلك الشرط ،وذلك لما تقرر أن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا كلهم مجتهدينَ على اصطلاح العلماء، فإن فيهم القرويَّ والبدويَّ ،ومن سمع منه - صلى الله عليه وسلم - حديثا واحدا وصحبه مرة، ولا شك ان من سمع منهم حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن واحد من الصحابة رضي الله عنهم كان يعملُ به حسبَ فهمه مجتهدًا كان أولا، ولم يعرف أن غير المجتهد منهم كلِّفَ بالرجوع إلى المجتهد فيما سمعه من الحديث ،لا في زمانه - صلى الله عليه وسلم - ولا بعده في زمان الصحابة رضي الله عنهم ،وهذا تقرير منه - صلى الله عليه وسلم - بجوازِ العمل بالحديث لغير المجتهد، وإجماعٌ من الصحابة عليه، ولولا ذلك لأمر الخلفاءُ غير المجتهدِ منهم سيما أهل البوادي أن لا يعملوا بما بلغهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - مشافهة أو بواسطة حتى يعرضوا على المجتهدين منهم ، ولم يرد من هذا عينٌ ولا أثرٌ ، وهذا هو ظاهر قوله تعالى { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر ،ونحوه من الايات ، حيث لم يقيد بأن ذلك على فهم الفقهاء،ومن هنا عرفتَ أنه لا يتوقفُ العملُ بعد وصول الحديث الصحيح على معرفة عدم الناسخِ أو عدم الإجماعِ على خلافه، أو عدم المعارِض، بل ينبغي العملُ به إلى أن يظهرَ شيءٌ من الموانع ، فينظر ذلك ويكفي في العمل كونُ الأصل عدمَ هذه العوارض المانعة عن العمل ،وقد بنى الفقهاء على اعتبار الأصل في شيء أحكامًا كثيرة في الماء ونحوه لاتحصى على المتتبع لكتبهم.
ويقربُ من كلام السندي رحمه الله ما جاء في حواشي تنبيه الأفهام ولفظه:"لا ندري ما هو الباعث لبعض المتفقهة على إنكار الاجتهاد وتحريمه على غير أئمة المذاهب والمبالغة في التقليد إلى درجة حملت بعض المستشرقين الأوربيين على الظن بأن الفقهاء إنما هم يعتقدون في الأئمة منزلة التشريع لا منزلة الضبط والتحرير، وهذا وإن يكن سوء ظن أوجبه الفقهاء أنفسهم ، إلا أن الحقيقة ليست كما ظنه ذلك المستشرق معاذ الله ، لأن الشارع واحد والشرع كذلك والأئمة لم ينهوا أحدًا عن العمل بالدليل والرجوع إلى الكتاب والسنة إذا تعارض القولُ والنصُّ، ومن كلام الإمام الشافعي بهذا الصدر: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي [2] ، وقال: إذا رأيتم كلامي يخالفُ الحديث فاعملوا بالحديث واضربوا بكلامي عرض الحائط ، ومن كلام الإمام الأعظم: لا ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن يأخذ بكلامي، لهذا كان من جاء بعدهم من أصحابهم أو من يوازيهم في العلم من المرجحين يخالفون أئتهم في كثير من الأحكام التي لم يتقيدوا بقول إمامهم فيها لمَّا قام لهم الدليل على مخالفتها لظاهر النصِّ، وإنما بعض الفقهاء الذين يسترون جهلهم بالتقليد ينتحلون - لدعواهم التقيد بقول الإمام دون نص الكتاب أو السنة - أعذارًا لا يسلِّم لهم بها أحدٌ من ذوي العقل الراجح من أفاضل المسلمين وعلمائهم العاملين الذين هم على بصيرة من الدين". [3]
وجاء في الحواشي المذكورة أيضًا ما نصه:"يعتذر بعضهم عن سدِّ باب الاجتهاد بسدِّ باب الخلاف وجمع شتات الأفكار المتأتي عن تعدد المذاهب ،والحالُ أن الاجتهاد على طريقة السلَّف لا يؤدي إلى هذا المحذور كما هو مشاهدٌ الآن عند الزيدية من أهالي جزيرة العرب - وهم الذين ينتسبون إلى زيد بن زين العابدين لا زيد بن الحسن المذكور في حواشي الدر - فإن دعوى الاجتهاد بين علمائهم شائعةٌ مستفيضةٌ وطريقهم فيه طريقة السلف ،أي أنهم يأتون بالحكم معززًا بالدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع ،وليس بعد إيراد الدليل مع الحكم أدنى طريق للخلاف أو الاختلاف اللهم إلا فيما لم يوجد بإزائه نصٌّ صريحٌ أو إجماعٌ من الصحابة أو التابعين، واحتيج فيه إلى الاستنباط من أصول الدين ، وليس في هذا من الخطر أو تشتت الأفكار، ولو جزءًا يسيرًا مما في طريقة الترجيح والتخريج عند الفقهاء الآن على أصول أي مذهب من المذاهب الأربعة ،ويكفي ما في هذه الطريقة من تشتت الأفكار خلاف المخرجين والمرجحين في المسألة الواحدة خلافًا لا ينتهي إلى غاية يرتاح إليها ضمير مستفيد، لقذفهم بفكره في تيار تتلاطم أمواجه بين قولهم المتعمد والمعوَّلُ عليه كذا والصحيح كذا والأصح كذا والمفتى به كذا ، إلى غير ذلك من الخلاف العظيم في كل مسألة لم ينصَّ عليها الإمامُ نصًا صريحًا ، ولا يخفى ما في هذا من الافتئات على الدين مما لا يعَدُّ شيئًا في جانبه خلافُ الأئمة المجتهدين ، ومشؤهُ التقيد بالتقليد البحت وعدم الرجوع إلى الكتاب والسنة ،ولو عند تعذر وجود النصِّ، ومع هذا فإنهم يرون هذا الافتئات على الدين من الدين، ويوجبون على المؤمن العملَ بأقوالهم بلا حجة تقومُ لهم ولا له يوم الدين، مع أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز {هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (15) سورة الكهف ، وفي هذا دليلٌ على فساد التقليد ،وأن لا بدَّ في الدين من حجَّةٍ ثابتةٍ، لهذا كان التقليدُ البحتُ لا يرضاه لنفسه إلا عاميٌّ أعمى، أو عالم لم يصل إلى مرتبة كبار الفضلاءِ المتقدمين والمتأخرين، الذين لم يرضوا لأنفسهم التقليدَ البحت كالإمام الغزالي وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام السيوطي والشوكاني وغيرهم ممن اشتهر بالاجتهاد من أئمة المذاهب"انتهى بحروفه. [4]
ـــــــــــــــ
(1) - إيقاظ همم أولي الأبصار - (ج 1 / ص 60)
(2) - قال الإمام النووي -رحمه الله- في المجموع 1/63-64:
فَصْلٌ صَحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رحمه الله - أَنَّهُ قَالَ: إذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدَعُوا قَوْلِي , وَرُوِيَ عَنْهُ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ خِلَافَ قَوْلِي فَاعْمَلُوا بِالْحَدِيثِ وَاتْرُكُوا قَوْلِي , أَوْ قَالَ: فَهُوَ مَذْهَبِي , وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ . وَقَدْ عَمِلَ بِهَذَا أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ التَّثْوِيبِ وَاشْتِرَاطِ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَغَيْرِهِمَا , مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ . وَقَدْ حَكَى الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ عَنْ الْأَصْحَابِ فِيهِمَا . وَمِمَّنْ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ أَفْتَى بِالْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الدَّارَكِيُّ , وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ , وَمِمَّنْ اسْتَعْمَلَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُحَدِّثِينَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَآخَرُونَ , وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا إذَا رَأَوْا مَسْأَلَةً فِيهَا حَدِيثٌ , وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ عَمِلُوا بِالْحَدِيثِ , وَأَفْتَوْا بِهِ قَائِلِينَ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مَا وَافَقَ الْحَدِيثَ , وَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ إلَّا نَادِرًا , وَمِنْهُ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلٌ عَلَى وَفْقِ الْحَدِيثِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَأَى حَدِيثًا صَحِيحًا قَالَ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَمِلَ بِظَاهِرِهِ , وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَنْ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صِفَتِهِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ , وَشَرْطُهُ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رحمه الله - لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّتَهُ , وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُطَالَعَةِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ كُلِّهَا وَنَحْوِهَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِهِ الْآخِذِينَ عَنْهُ وَمَا أَشْبَهَهَا . وَهَذَا شَرْطٌ صَعْبٌ قَلَّ مَنْ يَتَّصِفَ بِهِ , وَإِنَّمَا اشْتَرَطُوا مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رحمه الله - تَرَكَ الْعَمَلَ بِظَاهِرِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ رَآهَا وَعَلِمَهَا , لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى طَعْنٍ فِيهَا أَوْ نَسْخِهَا أَوْ تَخْصِيصِهَا أَوْ تَأْوِيلِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو - رحمه الله -: لَيْسَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْهَيِّنِ , فَلَيْسَ كُلُّ فَقِيهٍ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالْعَمَلِ بِمَا يَرَاهُ حُجَّةً مِنْ الْحَدِيثِ , وَفِيمَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنْ الشَّافِعِيِّينَ مَنْ عَمِلَ بِحَدِيثٍ تَرَكَهُ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله - عَمْدًا , مَعَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهِ لِمَانِعٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَخَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ , كَأَبِي الْوَلِيدِ ( 1 ) مُوسَى بْنِ أَبِي الْجَارُودِ مِمَّنْ صَحِبَ الشَّافِعِيَّ , قَالَ: صَحَّ حَدِيثُ { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } , فَأَقُولُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ , فَرَدَّا ذَلِكَ عَلَى أَبِي الْوَلِيدِ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ تَرَكَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهِ , لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا عِنْدَهُ , وَبَيَّنَ الشَّافِعِيُّ نَسْخَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ , وَسَتَرَاهُ فِي ( كِتَابِ الصِّيَامِ ) إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ سُنَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُودِعْهَا الشَّافِعِيُّ كُتُبَهُ . وَجَلَالَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَإِمَامَتُهُ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ , وَمَعْرِفَتِهِ بِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ بِالْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو: فَمَنْ وَجَدَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ نَظَرَ إنْ كَمُلَتْ آلَاتُ الِاجْتِهَادِ فِيهِ مُطْلَقًا , أَوْ فِي ذَلِكَ الْبَابِ أَوْ الْمَسْأَلَةِ كَانَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْعَمَلِ بِهِ . وَإِنْ لَمْ يَكْمُلْ وَشَقَّ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ بَحَثَ . فَلَمْ يَجِدْ لِمُخَالَفَتِهِ عَنْهُ جَوَابًا شَافِيًا , فَلَهُ الْعَمَلُ بِهِ إنْ كَانَ عَمِلَ بِهِ إمَامٌ مُسْتَقِلٌّ غَيْرَ الشَّافِعِيِّ , وَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ مَذْهَبِ إمَامِهِ هُنَا , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ مُتَعَيَّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وانظر آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم ص67-68و91-95.
قلت: وقد شرح التقي السبكي، المتوفي سنة 756هـ قول الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، في رسالة تشرت ضمن مجموعة الرسائل المنيرية 3/98-114، فراجعها لزامًا . (( وقد فصلت القول فيها في كتابي (( الخلاصة في بيان أسباب اختلاف الفقهاء ) )
والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 60) والانصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي - (ج 1 / ص 53) والقول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني - (ج 1 / ص 25) والإبهاج في شرح المنهاج - (ج 5 / ص 320) وعقد الجيد - (ج 1 / ص 27)
(3) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 242)
(4) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 243)