فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 522

الخامسة - مفهوم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :« لاَ تَكْذِبُوا عَلَىَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ »[1]

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله [2] :

"قَوْله: ( لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ ) هُوَ عَامّ فِي كُلّ كَاذِب ، مُطْلَق فِي كُلّ نَوْع مِنَ الْكَذِب ، وَمَعْنَاهُ لَا تَنْسِبُوا الْكَذِب إِلَيَّ . وَلَا مَفْهُوم لِقَوْلِهِ:"عَلَيَّ"لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّر أَنْ يُكْذَبَ لَهُ لِنَهْيِهِ عَنْ مُطْلَق الْكَذِب . وَقَدْ اِغْتَرَّ قَوْم مِنَ الْجَهَلَة فَوَضَعُوا أَحَادِيث فِي التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب وَقَالُوا: نَحْنُ لَمْ نَكْذِب عَلَيْهِ بَلْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَأْيِيدِ شَرِيعَته ، وَمَا دَرَوْا أَنَّ تَقْوِيله - صلى الله عليه وسلم - مَا لَمْ يَقُلْ يَقْتَضِي الْكَذِب عَلَى اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ إِثْبَات حُكْم مِنَ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة سَوَاء كَانَ فِي الْإِيجَاب أَوْ النَّدْب ، وَكَذَا مُقَابِلهمَا وَهُوَ الْحَرَام وَالْمَكْرُوه . وَلَا يُعْتَدّ بِمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ الْكَرَامِيَّة حَيْثُ جَوَّزُوا وَضْع الْكَذِب فِي التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب فِي تَثْبِيت مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ كَذِب لَهُ لَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ جَهْل بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّة . وَتَمَسَّكَ بَعْضهمْ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث مِنْ زِيَادَة لَمْ تَثْبُت وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِلَفْظِ:"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ لِيُضِلّ بِهِ النَّاس"الْحَدِيث ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَصْله وَإِرْسَاله ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم إِرْسَاله ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيث يَعْلَى بْن مُرَّة بِسَنَدٍ ضَعِيف [3] ، وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوته فَلَيْسَتْ اللَّام فِيهِ لِلْعِلَّةِ بَلْ لِلصَّيْرُورَةِ كَمَا فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (144) سورة الأنعام ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَآل أَمْره إِلَى الْإِضْلَال ، أَوْ هُوَ مِنْ تَخْصِيص بَعْض أَفْرَاد الْعُمُوم بِالذِّكْرِ فَلَا مَفْهُوم لَهُ ،كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (130) سورة آل عمران ، وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (151) سورة الأنعام ، فَإِنَّ قَتْل الْأَوْلَاد وَمُضَاعَفَة الرِّبَا وَالْإِضْلَال فِي هَذِهِ الْآيَات إِنَّمَا هُوَ لِتَأْكِيدِ الْأَمْر فِيهَا لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْم ."

ـــــــــــــــ

(1) - صحيح البخارى (106 )

(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 1 / ص 173) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 141)

(3) - الصواب ثبوته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت