الفصلُ الثاني
معرفة الرواة
1-معرفة الصحابة
2-معرفة التابعين.
3-معرفة الأخوة والأخوات
4-المتفق والمفترق .
5-المؤتلف والمختلف.
6-المتشابه.
7-المهمل.
8-معرفة المبهمات.
9-معرفة الوُحدان .
10-معرفة من ذكر بأسماء أو صفات مختلفة.
11-معرفة المفردات من الأسماء والكنى والألقاب .
12-معرفة أسماء من اشتهروا بكناهم .
13-معرفة الألقاب.
14-معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم .
15-معرفة النسب التي علي خلاف ظاهرها.
16-معرفة تواريخ الرواة.
17-معرفة من خلط من الثقات .
18-معرفة طبقات العلماء والرواة.
19-معرفة الموالي من الرواة والعلماء .
20-معرفة الثقات والضعفاء من الرواة .
21-معرفة أوطان الرواة وبلدانهم.
الصحابة رضوان الله عليهم هم خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نشر الدعوة وحمل أعبائها، ومن ثم لم يقع خلاف"بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أوكد علم الخاصة، وأرفع علم الخبر، وبه ساد أهل السير [2] "
1 -تعريف الصحابي:
أ ) لغة: الصحابة لغة مصدر بمعنى"الصحبة"ومنه"الصحابي"و"الصاحب ويجمع على أصحاب وصَحْب ، وكثر استعمال"الصحابة"بمعنى"الأصحاب". وأصل الصحبة في اللغة يطلق على مجرد الصحبة، دون اشتراط استمرارها طويلا، وعلى ذلك درج المحدثون."
ب) اصطلاحًا: من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلمًا ومات على الإسلام ، ولو تخللت ذلك ردة على الأصح .
قال العراقي [3] :"وقد اخْتُلِفَ في حدِّ الصحابيِّ مَنْ هو ؟ على أقوالٍ:"
أحدُها: وهو المعروفُ المشهورُ بينَ أهلِ الحديثِ أنَّهُ مَنْ رأى النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) في حالِ إسلامهِ .
هكذا أطلقهُ كثيرٌ من أهلِ الحديثِ ومرادُهُم بذلكَ مَعَ زوالِ المانعِ منَ الرؤيةِ ، كالعمى ، وإلاَّ فمَنْ صحبَهُ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ولم يرَهُ لعارضٍ بنظرهِ كابن أُمِّ مكتومٍ ونحوهِ معدودٌ في الصحابةِ بلا خلافٍ . قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ [4] : مَنْ صحبَهُ سنةً ، أو شهرًا ، أو يومًا ، أو ساعةً ، أو رآهُ؛ فهو من الصحابةِ . وقالَ البخاريُّ في صحيحهِ [5] : مَنْ صَحِبَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، أو رآهُ من المسلمينَ فهوَ من أصحابهِ .
وفي دخولِ الأعمى الذي جاءَ إلى النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) مسلمًا ، ولم يصحبْهُ ، ولم يجالسْهُ ؛ في عبارةِ البخاريِّ نظَرٌ .
فالعبارةُ السالمةُ مِنَ الاعتراضِ أنْ يقالَ: الصحابيُّ مَنْ لقيَ النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) مسلمًا ثمَّ ماتَ على الإسلامِ ؛ ليخرجَ مَنِ ارتدَّ وماتَ كافرًا ، كابنِ خَطَلٍ ، وربيعةَ بنِ أميةَ ، ومِقْيَسِ بنِ صُبَابَةَ ، ونحوهم . وفي دخولِ مَنْ لقيهُ مسلمًا ثمَّ ارتدَّ ثمَّ أسلمَ بعدَ وفاةِ النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الصحابة نظرٌ كبيرٌ ، فإنَّ الرِّدَّةَ مُحبِطةٌ للعملِ عندَ أبي حنيفةَ ، ونصَّ عليهِ الشافعيُّ في"الأمِّ"، وإنْ كانَ الرافعيُّ قدْ حكى عنهُ: أنَّها إنَّما تُحْبَطُ بشرطِ اتصالها بالموتِ ، وحينئذٍ فالظاهرُ أنَّها محبطةٌ للصُّحْبَةِ المتقدمةِ ، كقُرَّةَ بنِ هُبَيْرةَ ، وكالأشعثِ بنِ قيسٍ .
قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (217) سورة البقرة
وقال القرطبي في تفسيرها:
قَالَ الشَّافِعِيّ: إِنَّ مَنْ اِرْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَام لَمْ يَحْبَط عَمَله وَلَا حَجّه الَّذِي فَرَغَ مِنْهُ , بَلْ إِنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّة فَحِينَئِذٍ تَحْبَط أَعْمَاله .
وَقَالَ مَالِك: تَحْبَط بِنَفْسِ الرِّدَّة , وَيَظْهَر الْخِلَاف فِي الْمُسْلِم إِذَا حَجَّ ثُمَّ اِرْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ , فَقَالَ مَالِك: يَلْزَمهُ الْحَجّ ; لِأَنَّ الْأَوَّل قَدْ حَبِطَ بِالرِّدَّةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَا إِعَادَة عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عَمَله بَاقٍ .
وَاسْتَظْهَرَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:"لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" [ الزُّمَر: 65 ] .
قَالُوا: وَهُوَ خِطَاب لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُرَاد أُمَّته ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام يَسْتَحِيل مِنْهُ الرِّدَّة شَرْعًا .
وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ: بَلْ هُوَ خِطَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى طَرِيق التَّغْلِيظ عَلَى الْأُمَّة , وَبَيَان أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى شَرَف مَنْزِلَته لَوْ أَشْرَكَ لَحَبِطَ عَمَله , فَكَيْف أَنْتُمْ ! لَكِنَّهُ لَا يُشْرِك لِفَضْلِ مَرْتَبَته , كَمَا قَالَ:"يَا نِسَاء النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة يُضَاعَف لَهَا الْعَذَاب ضِعْفَيْنِ" [ الْأَحْزَاب: 30 ] وَذَلِكَ لِشَرَفِ مَنْزِلَتهنَّ , وَإِلَّا فَلَا يُتَصَوَّر إِتْيَان مِنْهُنَّ صِيَانَة لِزَوْجِهِنَّ الْمُكَرَّم الْمُعَظَّم , اِبْن الْعَرَبِيّ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه الْمُوَافَاة شَرْطًا هَاهُنَا لِأَنَّهُ عَلَّقَ عَلَيْهَا الْخُلُود فِي النَّار جَزَاء , فَمَنْ وَافَى عَلَى الْكُفْر خَلَّدَهُ اللَّه فِي النَّار بِهَذِهِ الْآيَة , وَمَنْ أَشْرَكَ حَبِطَ عَمَله بِالْآيَةِ الْأُخْرَى , فَهُمَا آيَتَانِ مُفِيدَتَانِ لِمَعْنَيَيْنِ , وَحُكْمَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ .
وَمَا خُوطِبَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام فَهُوَ لِأُمَّتِهِ حَتَّى يَثْبُت اِخْتِصَاصه , وَمَا وَرَدَ فِي أَزْوَاجه فَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ فِيهِنَّ لِيُبَيِّن أَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ لَكَانَ هَتْكَانِ أَحَدهمَا لِحُرْمَةِ الدِّين , وَالثَّانِي لِحُرْمَةِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - , وَلِكُلِّ هَتْك حُرْمَة عِقَاب , وَيَنْزِل ذَلِكَ مَنْزِلَة مَنْ عَصَى فِي الشَّهْر الْحَرَام أَوْ فِي الْبَلَد الْحَرَام أَوْ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام , يُضَاعَف عَلَيْهِ الْعَذَاب بِعَدَدِ مَا هَتَكَ مِنْ الْحُرُمَات .وَاَللَّه أَعْلَم .
أما مَنْ رَجَعَ إلى الإسلامِ في حياتِهِ ،كعبدِ اللهِ بنِ أبي سَرْحٍ، فلا مانعَ من دخولِهِ في الصُّحبةِ بدخولهِ الثاني في الإسلامِ ، واللهُ أعلمُ .
والمرادُ برؤية النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، رؤيتُهُ في حالِ حياتِهِ ، وإلاَّ فلو رآهُ بعدَ موتِهِ قبلَ الدفنِ ، أو بعدهُ ، فليسَ بصحابيٍّ على المشهورِ ، بلْ إنْ كانَ عاصَرَهُ ففيهِ الخلافُ الآتي ذِكْرُهُ . وإنْ كانَ وُلِدَ بعدَ موتِهِ فليستْ لهُ صحبةٌ بلا خلافٍ .
واحترزتُ بقولي: ( مسلمًا ) عمَّا لو رآهُ وهوَ كافرٌ ثم أسلمَ بعدَ وفاتِهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فإنهُ ليسَ بصحابيٍّ على المشهورِ ، كرسولِ قيصرَ ، وقدْ خَرَّجَهُ أحمدُ في"المسندِ [6] "، وكعبدِ اللهِ بنِ صَيَّادٍ ، إنْ لَمْ يكنْ هو الدَّجالُ. وقد عدَّهُ في الصحابةِ ، كذلكَ أبو بكرِ بنُ فتحونَ في ذيلِهِ على"الاستيعابِ". وحُكيَ: أنَّ الطبريَّ، وغيرهُ ترجمَ بهِ هكذا.
وفي الإصابة 6614 - عبد الله بن صائد وهو الذي يقال له ابن صياد ذكره بن شاهين والباوردي وابن السكن وأبو موسى في الذيل ، قال ابن شاهين: كان أبوه من اليهود ولا يدري من أي قبيلة هو وهو الذي يقال أنه الدجال !!
ولد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعور مختونا ( قلت:(علي) وهذا لا يصح).
ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن المسيب روى عنه مالك وغيره ،ولم يزد أبو موسى على هذا .
وأما بن السكن فقال في آخر العبادلة ذكر الدجال رأيت في كتاب بعض أصحابنا كأنه يعنى الباوردي في أسماء من ولد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ومنهم عبد الله بن صياد.
وأورد بن الأثير في ترجمته الذي في سنن الترمذى (2415 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ فِى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ وَهُوَ غُلاَمٌ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ « أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ » . فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ » . ثُمَّ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَا يَأْتِيكَ » . قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ » . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا » . وَخَبَأَ لَهُ (يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ » . قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِى فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنْ يَكُ حَقًّا فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِنْ لاَ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ » . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَعْنِى الدَّجَّالَ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفي صحيح البخارى ( 3033 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَعَهُ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ ، فَحُدِّثَ بِهِ فِى نَخْلٍ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّخْلَ ، طَفِقَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ ، وَابْنُ صَيَّادٍ فِى قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ يَا صَافِ ، هَذَا مُحَمَّدٌ ، فَوَثَبَ ابْنُ صَيَّادٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ » .
وفي صحيح البخارى ( 7355 ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ قُلْتُ تَحْلِفُ بِاللَّهِ . قَالَ إِنِّى سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - .
وفي صحيح مسلم ( 7534 ) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ - قَالَ - فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ - قَالَ - وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِى. فَقُلْتُ إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ - قَالَ - فَفَعَلَ - قَالَ - فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ فَقَالَ اشْرَبْ أَبَا سَعِيدٍ. فَقُلْتُ إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ. مَا بِى إِلاَّ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ - أَوْ قَالَ آخُذَ عَنْ يَدِهِ - فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِىَ النَّاسُ يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ خَفِىَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا خَفِىَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « هُوَ كَافِرٌ » . وَأَنَا مُسْلِمٌ أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « هُوَ عَقِيمٌ لاَ يُولَدُ لَهُ » . وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِى بِالْمَدِينَةِ أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلاَ مَكَّةَ » . وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ.
ثُمَّ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الآنَ. قَالَ قُلْتُ لَهُ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ.
وفي مسند أحمد ( 12068) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ أَقْبَلْنَا فِى جَيْشٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ هَذَا الْمَشْرِقِ. قَالَ فَكَانَ فِى الْجَيْشِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيَّادٍ وَكَانَ لاَ يُسَايِرُهُ أَحَدٌ وَلاَ يُرَافِقُهُ وَلاَ يُؤَاكِلُهُ وَلاَ يُشَارِبُهُ وَيُسَمُّونَهُ الدَّجَّالَ فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ نَازِلٌ فِى مَنْزِلٍ لِى إِذْ رَآنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيَّادٍ جَالِسًا فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَىَّ فَقَالَ يَا أَبَا سَعِيدٍ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا يَصْنَعُ النَّاسُ لاَ يُسَايِرُنِى أَحَدٌ وَلاَ يُرَافِقُنِى أَحَدٌ وَلاَ يُشَارِبُنِى أَحَدٌ وَلاَ يُؤَاكِلُنِى أَحَدٌ وَيَدْعُونِى الدَّجَّالَ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنْتَ يَا أَبَا سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ الدَّجَّالَ لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ » . وَإِنِّى وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنَّ الدَّجَّالَ لاَ يُولَدُ لَهُ » . وَقَدْ وُلِدَ لِى فَوَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ مِمَّا يَصْنَعُ بِى هَؤُلاَءِ النَّاسُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأَخْلُوَ فَأَجْعَلَهُ فِى عُنُقِى فَأَخْتَنِقَ فَأَسْتَرِيحَ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّاسِ وَاللَّهِ مِا أَنَا بِالدَّجَّالِ وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَوْ شِئْتَ لأَخْبَرْتُكَ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ أُمِّهِ وَاسْمِ الْقَرْيَةِ الَّتِى يَخْرُجُ مِنْهَا. (وهو صحيح)
وإن كان قوله سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرفع ولم يثبت أنه أسلم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل في حد الصحابي.
وقد أمعنت القول في ذلك في كتاب الفتن من فتح الباري شرح البخاري
وفي صحيح مسلم ( 7543 ) عَنْ نَافِعٍ قَالَ لَقِىَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِى بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلأَ السِّكَّةَ فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا » .
وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصحابة ، لأنه إن كان الدجال فليس بصحابي قطعا لأنه يموت كافرا ، وإن كان غيره فهو حال لقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مسلما ، لكنه 'إن كان مات على الإسلام يكون كما قال ابن فتحون على شرط كتاب الاستيعاب اهـ مع تعديلات كثيرة
قلت: قطعًا ليس هو الدجال ، لأن الدجال لن المدينة ، وقد بين ذلك ابن صائد نفسه .
وقولهم: مَنْ رأى النبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، هلْ المرادُ رآهُ في حالِ نبوَّتِهِ ، أو أعمُّ مِنْ ذلكَ ؟ حتَّى يدخلَ مَنْ رآهُ قبلَ النبوةِ ، وماتَ قبلَ النبوةِ على دينِ الحنيفية كزيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ . فقد قالَ النبيُّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"إنَّهُ يُبْعَثُ أمَّةً وحدَهُ". وقد ذكرَهُ في الصحابةِ أبو عبدِ اللهِ بنُ منده .
ففي مسند البزار ( 1331) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ مُرْدِفِي فِي يَوْمٍ حَارٍّ مِنْ أَيَّامِ مَكَّةَ ، وَمَعَنَا شَاةٌ قَدْ ذَبَحْنَاهَا وَأَصْلَحْنَاهَا ، فَجَعَلْنَاهَا فِي سُفْرَةٍ ، فَلَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، فَحَيَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: يَا زَيْدُ ، يَعْنِي زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ، مَالِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ ، قَالَ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ ذَلِكَ لِغَيْرِ تِرَةٍ لِي فِيهِمْ ، وَلَكِنْ خَرَجْتُ أَطْلُبُ هَذَا الدِّينَ حَتَّى أَقْدِمَ عَلَى أَحْبَارِ خَيْبَرَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ ، وَيُشْرِكُونَ بِهِ ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدِمَ عَلَى أَحْبَارِ الشَّامِ ، فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلاَّ شَيْخٌ بِالْجَزِيرَةِ ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدِمَ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآنِي ، قَالَ: إِنَّ جَمِيعَ مَنْ رَأَيْتَ فِي ضَلالٍ ، فَمِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قُلْتُ: أَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللهِ ، مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْقَرَظِ ، قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ قَدْ ظَهْرَ بِبَلَدِكَ ، قَدْ بُعِثَ نَبِيُّ قَدْ طَلَعَ نَجْمُهُ ، فَلَمْ أُحِسُّ بِشَيْءٍ بَعْدُ يَا مُحَمَّدُ.
قَالَ: فَقَرَّبَ إِلَيْهِ السُّفْرَةَ ، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: شَاةٌ ذَبَحْنَاهَا لِنُصُبٍ مِنْ هَذِهِ الأَنْصَابِ ، قَالَ: مَا كُنْتُ لآكُلَ شَيْئًا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ وَتَفَرَّقَا قَالَ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: فَأَتَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْبَيْتَ وَأَنَا مَعَهُ ، فَطَافَ بِهِ وَكَانَ عِنْدَ الْبَيْتِ صَنَمَانِ ، أَحَدُهُمَا مِنْ نُحَاسِ ، يُقَالُ لأَحَدِهِمَا: يَسَافٌ ، وَلِلآخَرِ نَائِلَةٌ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا تَمَسَّحُوا بِهِمَا ، فَقَالَ: النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ تَمْسَحْهُمَا فَإِنَّهُمَا رِجْسٌ ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لأَمْسَحَنَّهُمَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ: فَمَسَحْتُهُمَا ، فَقَالَ: يَا زَيْدُ أَلَمْ تُنْهَهُ ؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُ رَوَاهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ. ( قلت: وهو حديث حسن)
وكذلكَ لو رآهُ قبلَ النبوَّةِ ثمَّ غابَ عنهُ ، وعاشَ إلى بعدِ زمنِ البعثةِ ، وأسلمَ ثمَّ ماتَ ، ولمْ يرهُ . ولمْ أرَ مَنْ تَعرَّضَ لذلكَ ، ويدلُّ على أنَّ المرادَ: مَنْ رآهُ بَعْدَ نبوَّتِهِ أنَّهم ترجموا في الصحابةِ لمنْ وُلِدَ للنبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) بعدَ النبوةِ ، كإبراهيمَ ، وعبد اللهِ ، ولم يترجموا لمنْ ولِدَ قبلَ النبوةِ وماتَ قبلها كالقاسمِ . وكذلكَ أيضًا ما المرادُ بقولهم: مَنْ رآهُ ؟ هلِ المرادُ رؤيتُهُ لهُ معَ تمييزهِ ، وعقلهِ ؟ حتى لا يدخلَ الأطفالُ الذينَ حَنَّكَهُمْ ولمْ يروهُ بعدَ التمييزِ ، ولا مَنْ رآهُ وهو لا يعقلُ ، أو المرادُ أعمُّ مِنْ ذلكَ ؟
(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 64) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 24) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 20) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 330) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 103) و تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 36) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 485) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 63) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 204) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 381) والغاية في شرح الهداية في علم الرواية - (ج 1 / ص 136) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 49) ومنظومة مصباح الراوي في علم الحديث - (ج 1 / ص 106) وتوضيح الأفكار - (ج 2 / ص 426) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 116)
(2) - الاستيعاب في أسماء الأصحاب: 1: 8.
(3) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 204)
(4) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (109)
(5) - صحيح البخارى 1 - باب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . ( 29 ) وَمَنْ صَحِبَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ .
(6) - مسند أحمد ( 17148و17149) وحديثه حسن