فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 522

1-تعريفُه:

أ) لغة: اسم مفعول من فعل"رَفعَ"ضد وَضَعَ"كأنه سُمي بذلك لنِسْبَتِهِ إلى صاحب المقام الرَّفيع، وهو النبي صلي الله عليه وسلم."

ب) اصطلاحًا: اختلفَ في حدِّ الحديثِ المرفوعِ، فالمشهورُ أنَّهُ: ما أُضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قولًا له، أو فعلًا سواءٌ أضافَهُ إليه صحابيٌّ أو تابعيٌّ ، أو مَنْ بعدَهما ، سواءٌ اتّصلَ إسنادُهُ أم لا .

وقال الخَطيب [2] : وَالْمَرْفُوعُ: مَا أَخْبَرَ فِيهِ الصَّحَابِيُّ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ فِعْلِهِ.

قال الحافظ ابن حجر [3] : الظَّاهر أنَّ الخَطِيب لم يَشْترط ذلكَ, وأنَّ كلامه خرج مَخْرج الغالب, لأنَّ غالب ما يُضَاف إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - إنَّما يُضيفه الصَّحابي.

وقال ابن الصَّلاح [4] : ومن جعل من أهل الحديث المرفوع في مُقَابلة المُرسل - أي: حيث يقولون مثلا: رفعهُ فُلان, وأرسله فُلان - فقد عنى بالمرفوع المُتَّصل.

2-شرحُ التعريف:

أي هو ما نُسِبَ أو ما أُسْنِدَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء كان هذا المضاف قولا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعلا أو تقريرًا أو صفة وسواء كان المُضِيْفُ هو الصحابي أو من دونه ، متصلا كان الإسناد أو منقطعًا ، فيدخل في المرفوع الموصول والمرسل والمتصل والمنقطع ، هذا هو المشهور في حقيقته. [5]

ويعتاض عن اللفظ الصريح بالإضافة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقول مثلًا: ( عن أبي هريرة مرفوعًا ) ويساق لفظ الحديث ، دون ذكر: ( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ، ويقع هذا اختصارًا ، لكن لا ينبغي فيما أرى استعماله في الأحاديث الصحيحة ، من أجل ما يفوت به من ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - والصلاة والتسليم عليه . [6]

3-أنواعُه:

يتبين من التعريف أن أنواع المرفوع أربعة وهي:

المرفوع القولي .

المرفوع الفعلي.

المرفوع التقريري.

المرفوع الوصفي .

4-أمثلةٌ:

أ) مثال المرفوع القولي: أن يقول الصحابي أو غيره:"قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا ".

كما في صحيح البخارى برقم (8 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ » .

وقد يرد بلفظ مرفوعًا فقط ، مثاله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مَرْفُوعًا إِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي ، أَنْ يُكْثُرَ فِيهِمُ الْمَالُ حَتَّى يَتَنَافَسُوا فِيهِ ، فَيَقْتَتِلُوا عَلَيْهِ ، وَإِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي ، أَنْ يُفْتَحَ لَهُمُ الْقُرْآنُ ، حَتَّى يَقْرَأْهُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيُحِلُّ حَلالَهُ الْمُؤْمِنُ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ" [7] "

وعَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: « أعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ وَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ وَهُوَ فِى عَمَلِهِ » [8] .

وبلفظ رفعه فقط ، فعَنْ أَبِى صَالِحٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ مَرَّةً قَالَ « تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا » [9] .

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ - أُرَاهُ رَفَعَهُ - قَالَ « لاَ غِرَارَ فِى تَسْلِيمٍ وَلاَ صَلاَةٍ » . قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَلَى لَفْظِ ابْنِ مَهْدِىٍّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. [10]

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا » [11] .

وجاء بلفظ يرفعه فقط ، فعَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ « أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِى الأَرْضِ مِنْ شَىْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِى بِهِ قَالَ نَعَمْ . قَالَ فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِى صُلْبِ آدَمَ أَنْ لاَ تُشْرِكَ بِى . فَأَبَيْتَ إِلاَّ الشِّرْكَ » [12] .

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ » [13] .

وبلفظ يبلغ به ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ فِى الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِى ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) » [14] .

فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع. والله أعلم.

ب) مثال المرفوع الفعلي: أن يقول الصحابي أو غيره:"فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا ".

كما في صحيح البخارى برقم (1693 ) عَنْ نَافِعٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهم - لأَبِيهِ أَقِمْ ، فَإِنِّى لاَ آمَنُهَا أَنْ سَتُصَدُّ عَنِ الْبَيْتِ . قَالَ إِذًا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِى الْعُمْرَةَ . فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ، قَالَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَقَالَ مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ . ثُمَّ اشْتَرَى الْهَدْىَ مِنْ قُدَيْدٍ ، ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا ، فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا .

وعَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ أَنَّهُمَا دَخَلاَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ قَالاَ نَعَمْ. فَقَامَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ رَكَعْنَا فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [15]

ج) مثال المرفوع التقريري: أن يقول الصحابي أو غيره"فُعِلَ بحَضْرَة النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا"ولا يروي إنكاره لذلك الفعل.

كما في سنن أبى داود برقم (334 ) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِى الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ » . فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى مَنَعَنِى مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّى سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. ( وهو حديث صحيح )

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ - خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَهْدَتْ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا ، فَدَعَا بِهِنَّ فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ ، وَتَرَكَهُنَّ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - كَالْمُسْتَقْذِرِ لَهُنَّ ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ . [16]

د) مثال المرفوع الوصفي: أن يقول الصحابي أو غيره:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خُلُقًا".

كما في صحيح مسلم برقم (1532 ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ،فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلاَةُ وَهْوَ فِى بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِى تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ ثُمَّ يُنْضَحُ ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِنَا وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.

5-مسائل هامة

المسألة الأولى: يقع في: إطلاق السلف من الأئمة لفظ ( المسند ) يريدون به الحديث المرفوع المتصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .

المسألة الثانية: إذا حدَّث صحابي بالشيء فوجد فيه من القرينة ما يدلُّ على كونه تلقاه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهو حديث مسند مرفوع .

وهل من هذا قول التابعي عن الصحابي: ( يرفع الحديث ) أو ( ينميه ) أو ( يبلغ به ) أو ما في معناه، دون ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ .

الجواب: نعم , هو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [17]

وذلك مثل: ما أخرجه أبو يعلى الموصليُّ حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ قَالَ:"لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ". [18]

وقيل لأحمد بن حنبل: إذا قال: ( يرفع الحديث ) فهو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال:"فأيُّ شيء ؟" [19]

أي: فعمن يكون إن لم يكن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟

لكن يجب قصر ذلك على قول الصحابي خاصة ، فأما إذا قاله التابعي فمن دونه ، فلا ينزَّلُ منزلة المراسيل فيما أرجحه .

وذلك أني وجدتهم يعنون بتلك العبارة: يسنده إلى من فوقه ، وذلك أحد رواة الخبر .

مثل: ما حدث به مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ فِيمَا أُرَى إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ تَرَكَ الْحَيَّاتِ مَخَافَةَ طَلَبِهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ » [20] .

فإن قلت: إنما تبين أن قوله: ( يرفع الحديث ) ليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بقرينة ذكر ابن عباس ، فإن خلا من القرينة ، فينبغي أن يكون له حكم المرسل .

قلت: لما استخدموا العبارة المذكورة في مجرد الارتقاء بإسناد الخبر إلى درجة أعلى في الإسناد ، وصحَّ أن تكون تلك الدرجة هي الصحابي هنا ، مع عدم وجود تنصيص منهم يُفسر مرادهم ويحصره فيما عرفناه بالاصطلاح في معنى المرفوع ، فإن احتمال إرادة كونه عن أي قائل أو غافل فوق الراوي قائل تلك العبارة ودون النبي - صلى الله عليه وسلم -: احتمال قوي .

إلا أن نقف على ذلك الخبر من وجه معتبر مرفوعًا صراحة من قبل الراوي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وليس من هذا قول أهل العلم المتأخرين اختصارًا في نقل الأحاديث من كتب الرواية ( مرفوعًا ) مثلًا ، فإنا قد علمنا أنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سياقه في مصدره من كتب الحديث المسندة ، وإن كان تحاشي ذلك خاصة في الأحاديث الثابتة أولى ، كما تقدم التنبيه عليه .

المسألة الثالثة: قول الصحابي: ( قال: قال ) دون ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، هل هو مرفوع ؟

هذه صورة نادرة الورود في روايات الحديث .

مثالها: ما حدث به شَاذَانُ ، أنا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِي إِدْرِيسُ الْأَوْدِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ:"لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ وَهُوَ يَجِدُ الْخَبَثَ" [21] .

فتحرير هذه المسألة: أن هذه الصورة بمجردها لا تفيد رفع الحديث ، بل هو موقوف من هذا الوجه ، وهذا المثال المذكور مما اختلف فيه على شعبة أصلًا رفعًا ووقفًا ، ولا يكاد يوجد لهذه المسألة مثال يسلم من علة ، وعليه فيحول ذلك دون القول: إن هذه الصيغة تفيد الرفع .وما ذكر عن محمد بن سيرين بخصوص ذلك مِن تركه رفع الحديث أحيانًا وهو عنده مرفوع ، فهو أمر غير مطرد على التحقيق .

وقال الخطيب في الكفاية ( 1283 ) قَرَأْتُ فِي أَصْلِ كِتَابِ دَعْلَجِ بْنِ أَحْمَدَ ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْبَرْقَانِيُّ ، أنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ صَغِيرَةَ ، حَدَّثَنَا دَعْلَجٌ ، ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ , بِحَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ , عَنْ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ:"الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ"قَالَ مُوسَى: إِذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَالْبَصْرِيُّونَ قَالَ: قَالَ , فَهُوَ مَرْفُوعٌ قَالَ الْخَطِيبُ: لِلْبُرْقَانِيِّ: أَحْسَبُ أَنَّ مُوسَى عَنَى بِهَذَا الْقَوْلِ أَحَادِيثَ ابْنِ سِيرِينَ خَاصَّةً , فَقَالَ: كَذَا يَجِبُ . قَالَ الْخَطِيبُ: وَيُحَقِّقُ قَوْلَ مُوسَى هَذَا (1284 ) مَا أَخْبَرَناهُ ابْنُ الْفَضْلِ ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، ثنا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، ثنا بِشْرُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ خَالِدٍ , قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ:"كُلُّ شَيْءٍ حَدَّثْتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ مَرْفُوعٌ"فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الَّذِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَالْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ لَيْسَا مِمَّا يُعَدُّ مَرْفُوعًا , وَإِنَّمَا شُبِّهَ فِيهِمَا بِالرَّفْعِ , وَقَدْ وَرَدَا مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا مَرْفُوعَيْن

قلت: فهذا المثال لايصلح أن تُبْنى عليه قاعدة ، وقول موسى بن هارون الحمَّال غير صحيح الإطْلاق ، وما حسبه الخطيب من كون ذلك هناك محصورًا فيما يرويه ابن سيرين خاصة عن أبي هريرة صواب ، ما لم تكن هناك قرينة في سياق الخبر تجعله على أصل الوقف .

وواقع الأمر أن ابن سيرين حدَّث عن أبي هريرة بأحاديث لم يكن يذكر فيها الرفع الصريح إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي محفوظة من حديث أبي هريرة مرفوعًا ، أحيانًا يوجد ذلك من رواية ابن سيرين نفسه عن أبي هريرة ، يكون حدَّث به عنه لا يذكر الرفع ، وتارةً يذكره ، كما يكون مرفوعًا من رواية غير ابن سيرين عن أبي هريرة .

وهذا ما جاءت به الطرق للحديث المذكور ، فإنه رواه من البصريين: أيوب السخستاني [22] ، وهشام بن حسان [23] وعمران بن مسلم القصير [24] جميعًا عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به .

واستدل الخطيب لما حسب بقول ابن سيرين:"كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع" [25] .

وصح عن محمد بن سيرين: أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة ، فقيل له: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال:"كل حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -" [26] .

قال الطَّحاوي:"وإنما كان يفعل ذلك ؛ لأن أبا هريرة لم يكن يحدثهم إلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -" [27] .

وفي هذا عن ابن سيرين فائدة خاصة ، وهي أن الخبر إذا جاء عنه عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا ، فإن ذلك لا يعدُّ من الاختلاف القادح في صحة الرفع ، بل الحكم بالرفع متعين .

المسألة الرابعة: ما لا يقال مثله بمجرد الاجتهاد ، فالأصلُ أن يكون مرفوعًا حكمًا .

وذلك كتحديث الصحابي بما لا سبيل إلا معرفته إلا عن طريق الوحي ، مع ضميمةِ أن لا يكون الصحابي يحدِّث بالإسرائيليَّات فيما يمكن أن يكون من أخبار أهل الكتاب مثل: ما يتصل بأخبار السابقين وبدء الخلق ومستقبل الزمان ، ومن أشهر من عرف من الصحابة بالتحديث عن أهل الكتاب: عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبو هريرة ( بقلة ) ، وربَّما وقع لغيرهما ، خُصوصا من نزل الشام من الصحابة .

ولما كان قد يعسرُ تبيُّن إن كان الصَّحابيُّ حمل الرواية عن أهل الكتاب ، أو كان بتوقيف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، من أجل أنه ليس لدينا ما يقطع في هذا ، إنما هو قائم على المظنة ، فالتحري يوجب أن يرد في سياق الخبر قرينة غير ما تقدم تدلُّ على ضعف احتمال أن يكون من أخبار أهل الكتاب .

وذلك كقول أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ:"مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ" [28] ..

فأبو سعيد ليس معروفًا بالتحديث بالإسرائيليَّات ، وحدث بشيء هو مما اختُصت به هذه الأمة ، وهو فضل قراءة سورة الكهف ، وهي مما أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر البيت العتيق وليس لأهل الكتاب فيه شأن .

ومما يجب أن يحتاط فيه من هذه الصورة ،ما يقوله الصحابي من إثبات تحليل أو تحريم ، فمن الناس من يدعي أن له حكم الرفع ، وهذا خطأ ، فإن الصحابة كانوا يُفتون الناس في الحلال والحرام ، وكما وسع من بعدهم من العلماء أن يحلُّوا ويحرموا باجتهادهم فيما لا نص فيه ، فعلماء الصحابة هم سادة المجتهدين لهذه الأمة ، وقد سبقوا إلى أن قالوا باجتهادهم فأحلُّوا وحرموا ، واختلفوا في المسائل بسبب ذلك .

المسألة الخامسة: بَابٌ فِي حُكْمِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: أُمِرْنَا بِكَذَا وَنُهِينَا عَنْ كَذَا , وَمِنَ السُّنَّةِ كَذَا هَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَمْرِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَهْيِهِ , أَوْ يَجُوزُ كَوْنُهُ أَمْرًا وَنَهْيًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ

قال الخطيب في الكفاية:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ:"أُمِرْنَا , أَوْ قَالَ نُهِينَا أَلَّا نَزِيدَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى: وَعَلَيْكُمْ"

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ , قَالَ:"نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ"

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ:"إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ".

(1) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 268) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 1 / ص 35) والتقريرات السنية - (ج 1 / ص 20) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 60) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 124)

(2) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي - (ج 1 / ص 38)

(3) - النكت 1/511

(4) - علوم الحديث ص 66

(5) - انظر شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 60) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 124)

(6) - تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 16)

(7) - المستدرك للحاكم (3139) وصححه ووافقه الذهبي وهو حديث حسن

(8) - ابن ماجـ ( 2443) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 6 / ص 120) (11988) وطص 1/20 (34) ومطالب (1421) ومجمع 4/97و98 وترغيب 3/23 وحلية 7/142 ونصب 4/129 وتلخيص 3/59 وع (6682) والإتحاف 5/459 والشهاب (743) وخط 5/33 وعدى 4/1352 و1496و5/1820و6/2235 وأصفهان 1/221 وصحيح الجامع (1055) وهو صحيح لغيره

(9) - صحيح مسلم (6711 ) اركوا: أخروا

(10) - سنن أبى داود (930 ) صحيح الغرار: النقصان

(11) - سنن أبى داود (3385 ) حديث حسن

(12) - صحيح البخارى (3334 )

(13) - صحيح البخارى (6664 )

(14) - صحيح البخارى (4881 )

(15) - صحيح مسلم (1221)

(16) - صحيح البخارى (5389 )

الأقط: اللبن المحمض يجمد حتى يستحجر ويطبخ أو يطبخ به الأضب: جمع الضب وهو حيوان معروف

(17) - وانظر: الكفاية ، للخطيب ( ص: 587 ) .

(18) - مُسند أبي يعلى ( رقم: 720 ) و ( 692 ) جامع الحديث وإسناده صَحيح . وأبو خيْثمة هو الحافظ زُهير بنُ حرب .

(19) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 586 ) عن كتاب"العلل"للخلال .

(20) - سنن أبى داود (5252 ) صحيح

(21) - أخرجه الخطيب في"الكفاية"ص: 588 ) (1280) وإسناده صحيح .

(22) - أخرجه عبد الرزاق في"المصنف"رقم (2210 ) ومُسلم في"صحيحه" ( 1 / 459 ) .

(23) - أخرجه أبو نعيم في"الحلية" ( 8 / 138 رقم: 11631 ) .

(24) - أخرجه عبد الله بن أحمد في"زوائد الزهد" ( ص: 21 ) وابن عدي في"الكامل" ( 6 / 169 ) .

(25) - أخرجه يعقوب بن سفيان في"المعرفة والتاريخ" ( 3 / 22 ) ومن طريقه: الخطيب في"الكفاية" ( ص: 589 ) وإسناده صحيح .

(26) - أخرجه الطحاوي في"شرح معاني الآثار" ( 1 / 20 ) وإسناده جيد .

(27) - شرح معاني الآثار ( 1 / 20 ) .

(28) - فضائل القرآن لابن سلام ( 380 ) وهو صحيح ، واختلف فيه رفعًا ووقفًا ، والصواب موقوف من جهة الإسناد ، مرفوع من جهة المعنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت